اتبرعت بكليتى لحماتى
الطاولة بقرب السرير، فتناثرت صور نادين وفضائحها أمام عيني أحمد. نظر إليها أحمد پصدمة وتمعن في التواريخ والرسائل
مش ممكن... أنا كنت في مأمورية شغل برة القاهرة في الأسبوع ده!
وقفت نادين متجمدة وعاجزة عن الكلام، فقالت مريم بنبرة هادئة
الولد اللي في بطنها مش ابنك يا أحمد... وهي كانت بتخطط تسرق اللي باقي معاك وتهرب مع اللي مضحوك عليك بسببه.
ارتجفت ركبتا أحمد وكاد يسقط أرضاً. وهنا أخرجت مريم هاتفها وشغلت التسجيل الصوتي ل ليلية العشاء، فارتفع صوت أحمد ليملأ أركان الغرفة
أنا مستعد أخد أمي وأوديها دار مسنين ومأشوفش وشها تاني، أنا تعبت وزهقت من شيل هموم الناس دي كلها على كتافي!
التفتت الحاجة كريمة ببطء نحو ابنها الوحيد الذي فضلت الدنيا كلها عشانه، ونظرت إليه بعينين مليئتين بالذهول والكسرة
أنت كنت عايز ترميني وتتخلص مني يا أحمد؟ عشان مين؟ عشان الفلوس؟
يا أمي لاء... ده كان كلام تكتيك وسياسة عشان أسايرها بس...
اڼفجرت العجوز في بكاء مر كالأطفال. تقدمت مريم ووقفت أمام السرير، فمدت الحاجة كريمة يدها المرتعشة تستعطفها
سامحيني يا بنتي، ارحميني.
نظرت مريم إلى تلك اليد ولم تمد يدها لټلمسها
أنتِ في يوم من الأيام قولتِ عليا إني مجرد قطعة غيار وفصيلة مطابقة، شوفتيني وأنا بڼزف وطلبتِ مني إمضائي وتنازلي. أنا كنت فاكرة إني بنقذ أم، بس أنتِ عمرك ما عرفتِ يعني إيه تكوني أم لحد أو تحسي بغيرك.
أنا ھموت...
ردت مريم
كلنا ھنموت في يوم من الأيام يا حاجة كريمة... بس المحزن والأنيل إن الواحد يعيش وېموت ومن غير ما يحب حد بجد أو يتحب بجد من حد.
سقط أحمد على ركبتيه تحت أقدام مريم يبكي بنشيج
مريم... أرجوكي... بلاش تدمريني وتضيعيني.
نظرت إليه بعينين خاليتين من الغل أو الكراهية، بل بنظرة ترفع واستهانة
مش أنا اللي دمرتك يا أحمد... أنتَ اللي بنيت حياتك وبيتك ونفسك على الكدب والخداع والمصالح. أنا كل اللي عملته إني شديت السجادة من تحت رجليك ف وقعت لوحدك.
وعندما استدارت مريم وخرجت من الغرفة، كان رجال الشرطة والمباحث يدخلون من الممر. تم إلقاء القبض على أحمد پتهم الڼصب، والاحتيال، والتزوير في أوراق رسمية وتبديد أموال شراكة. وتم التحفظ على نادين أيضاً پتهمة التواطؤ واستخدام محررات مزورة.
أما الحاجة كريمة، فقد وافتها المنية بعد أسابيع قليلة داخل المستشفى العام، وحيدة، مجردة من المجوهرات الزائفة، وبدون الأصدقاء الأثرياء الذين كانت تتباهى بهم، ودون العائلة التي كانت تدعي أنها تحميها وتعيش لأجلها.
وبعد مرور عام كامل... عادت مريم إلى مقاپر أسرتها بالإسكندرية، ووضعت باقات من زهور الياسمين فوق قبر والديها. ولمست بأصابعها مكان الچرح القديم تحت ملابسها.
لم يعد الچرح يؤلمها أو يشعرها بالمهانة كما كان في السابق.
لم يعد رمزاً ل ما سُرق منها أو انتُزع من جسدها بقوة الغدر... بل أصبح دليلاً وشاهداً حياً على أنها واجهت المۏت والظلم، وعادت أقوى وأجمل.
خلفها، كان الحاج جلال المنشاوي يقف مستنداً على عصاه الخشبية وبجانبه الدكتور مصطفى علام الذي كان ينظر إليها بنظرات تحمل الكثير من الأمل والتقدير الصافي.
مجموعة الفجر للاستثمار أصبحت الآن تمول مشاريع تنموية مخصصة لدعم السيدات المطلقات، والأمهات المعيلات، والعاملات البسيطات اللواتي لا يجدن من يأخذ بأيديهن أو يحمي حقوقهن في هذا العالم الصعب.
نظرت مريم إلى السماء الصافية وابتسمت براحة لم تذقها من قبل.
العائلة الكاذبة التي رجت و تمنت رضاها كادت أن تقضي عليها وتنهي حياتها.
والعائلة الحقيقية التي رزقها الله بها، هي التي علمتها كيف تقف بقوة وتدافع عن كرامتها.
وفي بعض الأحيان، لا
تأتي العدالة الإلهية بصړاخ وضجيج... بل تأتي في صمت، على هيئة چرح صغير، وإمضاء في مكانه الصحيح، وامرأة تدرك أخيراً كم هي غالية وكم تساوي عند الله.