اتبرعت بكليتى لحماتى

موقع أيام نيوز

الجزء الأول
فتحت مريم عينيها لتجد حلقها جافاً تماماً، وجسدها ثقيلاً كأن جبالاً فوقه، بينما كان هناك ألم حاد وعميق في جنبها الأيمن جعلها تشعر وكأن قطعة من روحها قد انتُزعت، وليس مجرد قطعة من لحمها.
كانت إضاءة المستشفى البيضاء القوية ټضرب وجهها مباشرة. كانت رائحة المكان خليطاً من الكلور، والأدوية، والوحدة القاټلة.
لم تكن هناك زهور حولها.
ولا بالونات ملونة.
ولا حتى ورقة صغيرة مكتوب عليها شكراً.
حتى أحمد، زوجها، لم يكن موجوداً بجانب السرير كما وعدها تماماً قبل أن تدخل غرفة العمليات.
حركت مريم يدها ببطء شديد ونقص في القوة نحو بطنها، ولمست الشاش والضمادات السميكة. هناك كانت تقبع الحقيقة المرة... لقد استأصلوا كليتها.
همست بصوت مكسور ومبحوح
أحمد...
انفتح باب الغرفة في نفس اللحظة تقريباً. دخل أحمد السويدي بقميصه الأزرق المكوي بعناية فائقة، وحذائه الفاخر، وعلى وجهه تعابير باردة وجافة، كأنه دخل ليعقد صفقة تجارية في شركته وليس لزيارة زوجته التي خرجت للتو من عملية جراحية كبرى.
خلفه كانت تقف والدته، الحاجة كريمة، جليسة على كرسي متحرك، تضع شالاً أنيقاً على كتفيها ونظارة شمسية سوداء رغم أنهما داخل مبنى المستشفى.
والمفاجأة الأكبر كانت بجانبهما... دخلت نادين، خطيبة أحمد السابقة، ممتلئة البطن بعلامات الحمل، بكامل مكياجها، وترتدي فستاناً ضيقاً وعلى وجهها ابتسامة خبيثة لا تحمل أي براءة.
رمشت مريم بعينيها عدة مرات، ظنت في البداية أن البنج والمخدر ما زالا يلعبان بعقلها وتتخيل أشياءً لا وجود لها.
سألت بصوت واهن بالكاد يُسمع
هي إيه اللي جابها هنا؟ أحمد... أنت مش قلت لي إنك هتفضل جابي مش هتسيبني بعد العمليّة؟
لم يرد أحمد بأي نبرة حنان، ولم يحاول حتى أن يقترب ليمسك يدها الباردة. بدلاً من ذلك، أخرج مجلداً أسود اللون، وفتح بعض الأوراق ووضعها بقسۏة فوق الغطاء، مباشرة فوق موضع جرحها وضمادتها.
ورد نادين تبقى مراتى متكلميش معاها بالطريقة دى.
أطلقت مريم أنة ألم مكتومة.
امضي هنا قالها بجفاء.
نظرت إليه بعدم استيعاب
إيه ده؟
قسيمة الطلاق.
بدأ جهاز مراقبة نبضات القلب يتسارع ويصدر أصواتاً متتالية. شعرت مريم وكأن جدران الغرفة تضيق عليها لټخنقها.
طلاق؟! أحمد، أنا لسه حالا مدية كليتي لأمك! من يومين بس كنت بټعيط وبتأكد لي إن الخطوة دي هي اللي هتخلينا عيلة واحدة، وإن مامتك أخيراً هتحبني وتعتبرني زي بنتها!
أطلقت الحاجة كريمة ضحكة جافة وساخرة، وقالت بقلب مېت
يا حبيبتي، يا طيبة أنتِ... عمرك ما كنتِ بنتي ولا هتكوني. أنتِ كل الحكاية إن فصيلة دمك طلعت مطابقة ل فصيلتي، بس كده! وظيفتك انتهت.
التفتت مريم بنظراتها نحو أحمد، كانت تنتظر منه أن ينطق، أن يدافع عنها، أن يغضب من كلام أمه، أو على الأقل أن تظهر على وجهه علامات الخجل والكسوف. لكنه اكتفى بخفض عينه للأرض لثانية واحدة، ثم تنفس بضيق وزهق.
متبقيش دراما يا مريم، كل حاجة تمت بالقانون وأنتِ مضيتي بكامل إرادتك. أمي كانت محتاجة تعيش وأنتِ كان بإيدك تساعديها، وخلاص عملتِ اللي عليكي.
مسحت نادين على بطنها المنتفخة بتبجح وقالت
وبعدين يا حبيبتي، أحمد وأنا هنبدأ حياتنا ونعمل عيلة بجد. البيبي ده هو اللي هيشيل اسم السويدي ودمهم بجد.
شعرت مريم بشيء ينكسر في أعماق قلبها أقوى من ألم الچرح. تذكرت الليالي التي كانت الحاجة كريمة تبكي فيها في المطبخ، وتمسك يديها وتقول لها أنتِ الملاك اللي بعته ربنا ليا يا بنتي.
تذكرت أحمد وهو يحضنها بحرارة أمام المستشفى ويقول لها بعد اللي هتعمليه ده، مفيش قوة في الأرض هتقدر تبعدنا عن بعض.
تذكرت الأوراق التي وضعوها أمام وجهها بسرعة قبل دخولها العمليات

تم نسخ الرابط