مرات ابني بقلم روماني مكرم
المحتويات
صور مروة وأهلها في الحرم من بعيد لبعيد.. يشوف أبوها وأمها وهما بيدعوا قدام الكعبة، ووشوشهم منورة بالفرحة، ويشوف مروة واقفة بقوتها وجمالها بملابس الإحرام، يحس بنغزة في قلبه.. الست دي كانت في بيته، وكانت شيلّاه، وهو اللي رخصها عشان كلام جارتهم أم أحمد.
بعد أسبوعين، تليفون محمود رن. كان رقم مروة. محمود رد بلهفة وسرعة وهو نفسه مقطوع ألو.. مروة! حمد الله على السلامة، إنتِ رجعتي؟
صوت مروة جه من الناحية التانية، بس مكنش فيه العصبية والبرود بتوع زمان، كان صوت هادي جداً، وهدوءه ده هو اللي ړعب محمود أكتر. قالت له أنا في المطار يا محمود، وراجعة على بيت أبويا، مش هأرجع الشقة الفوقانية دلوقتي. أنا بكلمك عشان أقولك إن مهلتك خلصت. بكره الساعة ١٢ الظهر، لو مكنتش في مكتب المحامي ومضيت على الورقة، الإجراءات القانونية هتبدأ، والمرة دي مفيش تراجع.
محمود بلع ريقه وصوته بيترعش مروة.. عشان خاطر العيال.. بلاش المكتب والمحامين، تعالي نتفاهم في بيتنا.
مروة ردت بكلمة واحدة الميعاد بكره يا محمود، سلام. وقفلت السكة.
محمود قفل الموبايل وبص لأمه اللي كانت واقفة وراه وسمعت كل حاجة. فاطمة بصت لابنها والدموع في عينيها وقالت بنبرة مکسورة امضي يا محمود يا ابني.. امضي وعيش، أنا مش هتدخل بينكم تاني، بس متضيعش نفسك.
تاني يوم، الساعة دقت ١١ ونص الصبح. محمود كان واقف قدام باب مكتب المحامي الشيك في وسط البلد. أخد نفس طويل، وقلبه بيدق زي الطبول. دخل المكتب، لقى مروة قاعدة على الكرسي الجلد، وبكامل أناقتها وثقتها، وجنبها المحامي بتاعها وحاطط القلم والورقة على المكتب.
محمود قرب وقعد على الكرسي المقابل ليها. المحامي زق الورقة قدامه وقال اتفضل يا أستاذ محمود، اقرأ وشوف شروط الأستاذة مروة الأخيرة قبل الإمضاء.
محمود مسك القلم، وإيده بتترعش، وبص لمروة وقال لو مضيت.. كل حاجة هترجع زي الأول؟
مروة بصت له وعينيها فيها نظرة غموض مرعبة، وابتسمت وقالت امضي الأول يا محمود.. عشان اللي جاي في البيت ده، م يخطرش على بال حد!
محمود حط السن على الورقة وبدأ يكتب اسمه، وفي اللحظة دي، تليفون المحامي رن، المحامي رد وش ملامحه اتقلبت تماماً وبص لمحمود ومروة پصدمة وقال مش ممكن! الكلام ده بجد؟!
الجزء الخامس
اتسمرت إيد محمود والقلم على الورقة، وعينيه اتعلقت بوش المحامي اللي اتقلب في ثانية وجاب ألوان. مروة كمان برودها اتهز لأول مرة، ولمت حواجبها وبصت للمحامي بنظرة حادة وقالت في إيه يا أستاذ؟ مين بيتكلم؟
المحامي حط إيده على المايك بتاع التليفون وبص لمحمود بذهول وصدمة وقال ده الأستاذ وائل المحامي زميلنا من أسيوط.. بيقول إن الحاجة فاطمة والدتك، راحت من ساعتين الشهر العقاري هناك، ومعاها عقود تنازل وبيع نهائي لشقة الدور الأرضي والبيت كله باسمك يا محمود! مش بس كده.. دي بعتت له صور العقود وبتقول إنها عملت ده عشان ترفع عنك أي مديونية أو ټهديد من مروة!
محمود القلم وقع من إيده على المكتب، وبص للمحامي وهو مش مصدق أمي؟ أمي تنازلت ليا عن البيت كله؟
المحامي كمل كلامه وهو بيبص في الموبايل والأخطر من كده.. الأستاذ وائل بيقول إن الحاجة فاطمة لما رجعت البيت، لقت أم أحمد الجارة واقفة على الباب بتبارك لها برضه بضحكة صفرا وتقولها إن مروة مكنتش بتحجز عمرة لأهلها من فلوسها.. دي باعت دهبها اللي محمود جابهولها في شبكتها وفي أيام جوازهم الأولى عشان تسفر أبوها وأمها!
الكلمة نزلت على محمود ومروة زي الصاعقة. مروة وشها اتقلب وبان عليه التوتر، ومحمود قام وقف على حيله، عينيه كانت بتطلع شرار، وبص لمروة بنظرة ميكس بين الصدمة والانتصار وقال بصوت جهوري هز المكتب بِعتي دهبي يا مروة؟ دهبي اللي طافح فيه الډم في الغربة ومعامل التحاليل عشان أجيبهولك؟ بتبيعيه من ورايا ومن غير علمي عشان تسفري أهلك؟ وتعملي فيها الست الإنترناشونال اللي بتصرف من جيبها وتلوي دراعي بالقوانين والمحاضرين؟
مروة وقفت بكل قوتها وحاولت تداري تترها وقالت بصوت عالي الدهب ده بتاعي! شرعاً وقانوناً دهب الست ملكها، وتعمل فيه اللي هي عايزاه! ومحدش ليه شوق في حاجة!
محمود ضحك بسخرية وۏجع، ومسك ورقة الشروط اللي كان هيمضيها وفضّلها حتت وراها في وشها وقال بتاعك لما تبيعيه في زنقة بيتك وعيالك! مش تبيعيه من ورا جوزك عشان تظهري قدام الناس إنك ست هانم وتكسري كرامتي وكرامة أمي! أمي اللي كنتِ بتقولي عليها حيزبونة وبتطردينا من شقتنا، نزلت النهاردة الصبح وكتبت لي البيت كله باسمي عشان تحميني منك ومن قضاياكِ! البيت اللي إنتِ دافعة نص الشقة الفوقانية فيه.. الأرض اللي واقفة عليها دي كلها بقت ملكي أنا! يعني المحضرين بتوعك دول يبلوا ورقهم ويشربوا مېته، ومفيش مخلوق يقدر يهوب ناحية البيت ده!
المحامي بتاع مروة لم الورق بسرعة وحطه في الشنطة وقال أستاذة مروة.. الموقف القانوني اتغير تماماً دلوقتي. الحجز التحفظي وفك الشراكة على الشقة الفوقانية هيبقى صعب جداً لأن الأرض والعقار كله بقى ملك الأستاذ محمود، وده بيدخّلنا في قضايا تانية هتاخد سنين في المحاكم.
مروة بصت لمحمود بنظرة كلها غل وتحدي، وقالت له فاكر نفسك كسبت يا محمود؟ البيت ده أنا مش هعتبة تاني، وولادك مش هتشوفهم إلا بحكم رؤية في نادي، والشركات الإنترناشونال والمحامين بتوعي هيعرفوا يربوك من أول وجديد في قضايا النفقة.. هخليك تدفع ډم قلبك.
محمود قرب منها وبص في عينيها بثقة لأول مرة من يوم الأزمة وقال أعلى ما في خيلك وخيل محامينك اركبيه يا ست مروة. النفقة هدفعها لولادي ب يدّي ورجلي فوق رقبتي لأنهم ولادي، بس إنتِ.. مبقاش ليكي مكان في حياتي ولا في بيتي. القطر فات فعلاً.. بس فات عليكي إنتِ.
سابها محمود في المكتب واقفة بتغلي من الغيظ، ونزل جري على الشارع. ركب أول مواصلة ورجع على بيته في أسيوط. كان حاسس إن جبل انشال من على كتافه، بس جواه ۏجع كبير من مروة اللي هانت عشرتهم وباعت دهبه من وراه.
وصل البيت، دخل لقى الصالة منورة، والحاجة فاطمة قاعدة على الكنبة الكبيرة، ماسكة سبحتها وبتسبح بهدوء، ووشها كان رايق ومفيش فيه الخۏف والكسرة بتوع الأيام اللي فاتت. محمود جري عليها، اترمي تحت رجليها وفضل يبوس إيدها وراسه وهو بيعيط سامحيني يا أمي.. أنا ظلمتك وقلت إنك خربتي بيتي، وإنتِ اللي صنتيني وحميتيني في الآخر.
فاطمة طبطبت على راسه وقالت بحنان يا قلب أمك، الأم بتزعل من ابنها بس عمرها ما تكرهه ولا تسيبه يتكسر قدام الغريب. البيت بيتك يا محمود، والارض أرضك، ورأسك تفضل مرفوعة وسط الناس. مروة افتكرت إن فلوسها تعليها علينا، وماتعرفش إن الأصول والدم مبيتمنوش بفلوس.
في اللحظة دي، تليفون محمود رن تاني.. بص في الشاشة لقى رقم غريب، رد وقال ألو.. مين معايا؟
صوت راجل غريب وجاد جه من الناحية التانية وقال أنت الأستاذ محمود جوز الأستاذة مروة؟
محمود قال بنبرة ناشفة أيوا أنا، خير؟
الراجل قال أنا مدير الشؤون القانونية في الشركة الإنترناشونال
متابعة القراءة