مرات ابني بقلم روماني مكرم
مرات ابنى
مرات ابني شغاله ومرتبها كبير قوي، وعرفت من ناس بره إنها ناوية تطلع أمها وأبوها عمرة من غير ما تقوللي ولا تاخد رأيي.
كلمت ابني وقلتله
سمعت إن مراتك هتطلع أهلها عمرة من فلوس البيت، مش احنا أولى بالفلوس دي؟ أو على الأقل كانت تطلعني أنا.
البيت كان هس هس، وصوت تكتكة الساعة في الصالة كانت مسموعة وبتدب في الودان زي دقات الطبول. الحاجة فاطمة كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، عينيها مش فارقة شاشة التليفون اللي قايدة في ضلمة الأوضة، صوابعها كانت بتفرك في السبحة پعنف مش متعودة عليه، وكل ما تفتكر مكالمة أم أحمد جارتها من ساعتين، الډم يفور في عروقها.
أم أحمد مالت عليها بعد صلاة العصر وقالتلها بضحكة صفرا مبروك يا حاجة فاطمة، عقبالك كده لما تفرحي.. سمعت إن ست الحُسن والجمال، مروة مرات ابنك، حجزت عمرة ل حماها وحماتها الشهر الجاي، طيران وفندق خمس نجوم على الحرم علطول! عقبال ما تفتكرك يا حبيبتي.
الكلمة نزلت على قلب فاطمة زي المية المغلية. مروة، مرات ابنها محمود، الموظفة الكبيرة في الشركة الإنترناشونال، اللي مرتبها وبدلاتها يعدوا الشئ الفلاني، بتعمل كل ده من ورا ظهرها؟ تطلع أبوها وأمها عمرة، وماتقولش لحماتها؟ ولا حتى تاخد رأيها في البيت اللي هي كبيرة فيه؟
فاطمة مأستنتش كتير. أول ما سمعت صوت مفتاح محمود بيتحط في الباب، قامت وقفت. محمود دخل والتعب باين على وشه من شقا طول النهار في معمل التحاليل اللي شغال فيه. قبل ما يقعد ولا يغير هدومه، لقى أمه واقفة قدامه وعينيها بتطلع شرار.
فاطمة بصوت حاد ومكتوم عشان مروة متمسكش عليها غلطة
سمعت إن مراتك هتطلع أهلها عمرة من فلوسها.. مش إنتوا أولى بالفلوس دي يا محمود؟ البيت أولى بقرش، والعيال مدارسهم ومصاريفهم بتقطم الظهر.. أو على الأقل، لو الفلوس فايضة معاها قوي كده، كانت تطلعني أنا! أنا اللي شقيت وربيت، مش أبوها وأمها اللي قاعدين متهنيين!
محمود اتسمر في مكانه، الشنطة وقعت من إيده على الكرسّي، وبص لأمه بذهول
عمرة إيه يا أمي؟ وفلوس إيه؟ مروة مقالتليش حاجة عن الموضوع ده خالص!
فاطمة ضحكت بسخرية ولفت وشها
تصدق وتأمن بالله؟ إنت آخر من يعلم في البيت ده يا قلب أمك! الهانم بتخطط وتنفذ من ورا ظهرك، وعرفت من ناس بره.. ناس بره غُرب يعرفوا، وأنا وأنت يا عيني علينا قاعدين في غفلة!
محمود أحاسيسه اتلخبطت.. الڠضب عمى عينيه، مش بس عشان الفلوس، عشان شكل رجولته قدام أمه، وإزاي حاجة بالحجم ده تحصل من ورا ظهره؟
دخل شقته في الدور الفوقاني وفجر البركان. مروة كانت واقفة في المطبخ بتجهز العشا، دخل عليها وعينيه حمرا
بقى بتخبي عليا يا مروة؟ بتحجزي عمرة لأبوكي وأمك بمبالغ وقدرها وإنتِ عارفة إننا داخلين على مصاريف مدارس وأقساط؟ ومن ورايا؟ هو أنا ماليش كلمة في البيت ده ولا كيس جوافة؟
مروة اتخضت، سابت المعلقة من إيدها وبصتله پصدمة، لكن ملامحها اتحولت بسرعة لثبات وقوة متعودة عليهم من صغرها
جرى إيه يا محمود؟ بتكلمني كده ليه؟ ومين قالك الكلام ده؟
محمود صړخ
مش مهم مين قالي! الكلام ده صح ولا لأ؟ حجزتي ولا محجزتيش؟
مروة أخدت نفس طويل، ربّعت إيديها وقالت بكل برود وثقة
آه يا محمود، حجزت. الشهر الجاي إن شاء الله طالعين. ودي فلوسي، تعبي وشقايا وشغلي طول السنة، ومن حقي أفرح أبويا وأمك اللي كبروني وعلموني لحد ما بقيت في المكانة دي.. إنت مالك ومال فلوسي؟
محمود حس إن الكلمة ضړبت كرامته في مقټل
مالي ومال فلوسك؟ إنتِ مراتي! وبيتك وعيالك أولى بكل مليم، وأمي.. أمي أولى ببرك لو عندك بر!
مروة ضحكت بۏجع وسخرية
أنا مش مقصرة في بيتي يا محمود، ومصاريف عيالك إنت المسؤول عنها الأول، وأنا بساعدك ب يدّي الشقا برضايا مش ڠصب عني. أما أمك.. ف أمك عندها ولادها يبروها، أنا ببر أبويا وأمّي من مالي الخاص.. ولا هي الحكاية إن الحيزبونة نقلتلك الكلام وسخنتك؟
في اللحظة دي، الباب اتفتح پعنف. فاطمة كانت واقفة على العتبة، وشها جايب ألوان من الغيظ، وكانت سامعة كل كلمة من ورا الباب.
فاطمة دخلت بنبرة تهز الحيطة
مين هي اللي حيزبونة يا ست مروة؟ أنا حيزبونة عشان بفتح عين ابني المغفل اللي مش عارف مراته بتودي فلوسها فين؟ يا خسارة تربيتي فيك يا محمود لما تسيبها تغلط فيا في بيتي!
مروة مراجعتش خطوة لورا، بصت ل حماها الحما وقالتلها وعينيها حادة زي الموس
أنا مغلطتش يا حاجة، بس اللي يدخل في اللي ملوش فيه، يسمع اللي ميرضيهوش. دي فلوس شغلي، وأنا حرة فيها.. ومش هسمح لمخلوق يتحكم في قرشي!
محمود صوته هز البيت كله، ورفع صباعه في وش مروة وهو بيترعش من الڠضب
لحد هنا وكفاية يا مروة! أمي خط أحمر.. وفلوسك دي لو مكنش بيتي وأمي ليهم نصيب فيها بالرضا، يبقى مفيش عيش وملح بينا، والظاهر إن القعدة في البيت ده كترت عليكي!
مروة بصتله بنظرة غريبة جداً.. مكنش فيها خوف، كان فيها تحدي مرعب، وابتسامة غامضة اترسمت على وشها وهي بتبص ل حماها وليه.
مروة قالت بصوت واطي ومخيف
ماشي يا محمود.. إنت وأمك اللي اخترتوا تفتحوا الباب ده.. ومادام دخلنا في الحسابات والفلوس، يبقى من بكرة كل حاجة ه تتغير في البيت ده.. وهتشوفوا مروة تانية خالص!
سابتهم ودخلت الأوضة وقفت الباب وراها بالمفتاح، وسابت محمود وأمه في الصالة، الأنفاس عالية، والشړ اللي اتمكن من القلوب فتح أبواب للي جاي.. وجاي كتير قوي.
الجزء الثاني
الليل عدا على البيت وكأنه سنة كاملة، مفيش عين داقِت النوم. محمود كان قاعد في الصالة تحت، حاطط راسه بين إيديه، وصوت تكتكة الساعة لسه شغال في ودنه زي المطرقة. أمه، الحاجة فاطمة، كانت رايحة جاية في الممر، تسبح بسبحتها وتنفخ بڼار قايدة جواها، وكل شوية تبص لسقف الأوضة الفوقانية وتقول بصوت مكتوم ماشي يا بنت مروة.. بتكسري كلمة ابني في بيت أمه؟ وحياة شقايا وتعب السنين ما هعديلك الكلمة دي.
أول ما شقشَق نور الصبح، البيت صحي على هدوء غريب ومريب، الهدوء اللي بيسبق العاصفة الشديدة. محمود قام بتثاقل، لبس هدومه عشان يروح معمل التحاليل، ونزل المطبخ يشوف لقمة يأكلها قبل ما ينزل. لقى أمه واقفة بتعمل شاي، وبصتله بعينين كلها لوم وعتاب هتنزل من غير ما تكسر مناخيرها يا محمود؟ هتمشي وتسيبها تفتكر إنها غلبتنا بفلوسها؟ محمود نفخ بضيق وقال يا أمي سيبيني في اللي أنا فيه، دماغي ھتنفجر، لما أرجع من الشغل هشوف هعمل إيه.
في اللحظة دي، مروة نزلت من على السلم. كانت لابسة طقم الشغل بكامل أناقتها، حاطة ميكب خفيف، ووشها مفيش فيه أي أثر للدموع أو التعب، بالعكس، ملامحها كانت باردة وناشفة زي الحجر. دخلت المطبخ بخطوات واثقة، متجنبتش النظر ليهم، وبصت لمحمود وقالت بنبرة خالية من أي مشاعر محمود.. الفيزا كارد بتاعتي اللي كانت معاك عشان مصاريف البيت والطلبات، أنا وقفتها من الصبح. ومن بكرة، مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده من تعبي. مصاريف المدارس