مرات ابني بقلم روماني مكرم

موقع أيام نيوز

كلمة في البيت وإني كيس جوافة. الفلوس بتروح وتيجي، بس الست اللي تتكسر كرامتها في بيت جوزها، ميرجعهاش غير القانون. أنا مش هطردك، أنا هاخد حقي بالمليم، والشقة دي هتتقفل بالشمع الأحمر لحد ما المحكمة تبيعها في المزاد وناخد حقنا، وريني بقى هتقعد فين إنت والحاجة فاطمة.
فاطمة قامت وقفت وفضلت تشاور بصباعها في وش مروة يا حرباية! مفكرة نفسك هتكسبينا؟ محمود راجل وهيفضل راجل، وهيتجوز ست سيدك بكرة!
مروة ضحكت بسخرية وقالت خليه يتجوز يا حاجة، بس يوريني هيصرف عليها منين وهو من بكرة مرتبه في المعمل كله هيتحجز عليه نفقة للعيال ومصاريف المدارس اللي مش هتنازل إنهم يفضلوا فيها، لأنهم

ولاد مروة، ومروة ولادها ميبقوش أقل من حد.
المحضر بدأ يدخل الشقة الفوقانية ويكتب في الدفتر، وكل حتة عفش كان بيمسكها محمود كان بيحس إن حتة من قلبه بتتخلع. البيت اللي بناه في سنين، بيتهد في لحظة بسبب عناد وسخونية كلام أمه. محمود اتلفت لأمه وبص لها بنظرة كلها عتاب وندم، فاطمة حست بالنظرة دي ولفت وشها الناحية التانية وهي بتبرطم.
مروة سابتهم مع المحامي وركبت العربية مع محاميها ومشيت، وراحت على بيت أهلها عشان تقفل الشنط الأخيرة لعمرة أبوها وأمها. أمها كانت قاعدة بټعيط وقالت لها يا بنتي، قلبي مش مطمن، خاېفة نكون ظلمنا محمود والبيت يتخرب. مروة قعدت تحت رجل أمها وبست إيدها وقالت يا أمي، محمود مش صغير، محمود ساب أمه تمشيه وتهينني. لو كنت سكت المرة دي، كنت هعيش طول عمري جارية في البيت ده ماليش ثمن. ادعيلي يا أمي في الحرم، ادعيلي ربنا يقويني على اللي جاي.
الشمس غابت، والهدوء رجع للبيت تاني، بس كان هدوء حزين وموحش. الشقة الفوقانية اتقفلت، ومحمود قعد في شقة أمه تحت، عاجز، مكسور، وحواليه ديون وقضايا ومطالبات بنفقات مش هيقدر يدفع ربعها من مرتب المعمل.
فاطمة كانت قاعدة جنبه وبتحاول تهون عليه ولا تزعل يا واد، غارت في داهية، بكرة ربنا يرزقك بالأحسن منها. محمود قام وقف وصړخ في أمه لأول مرة في حياته بصوت زلزل الأوضة أحسن منها فين يا أمي؟! مروة كانت شايلاني وشايلة بيتي وعيالي ومخلية ليا قيمة وسط الناس! إنتِ اللي خربتي بيتي بكلامك وسخنيتك! إنتِ اللي قعدتي تقوليلي رجولتك وكرامتك لحد ما ضيعتيني وضيعتي عيالي!
سأب أمه في صډمتها وخرج يجري في الشوارع، مش عارف يعمل إيه، ومبقاش قدامه غير حل واحد مر، إنه يروح لبيت أهل مروة ويحاول يرجعها قبل ما تسافر العمرة وتضيع منه كل حاجة.
وصل محمود تحت بيت أهل مروة والساعة كانت داخلة على نص الليل، بص لفوق لقى النور قايد والشغالة بتنزل الشنط الكبيرة في مدخل العمارة. محمود دخل بسرعة ووقف قدام الشنط، وفي اللحظة دي نزلت مروة ومعاها أبوها وأمها ولابسين لبس الإحرام الأبيض.. مروة بصت لمحمود ببرود، وأبوها وقف في النص وقال عايز إيه يا محمود في وقت زي ده؟
محمود اترمى على إيد أبو مروة وبكى يا عمي، أنا جيت أصلح كل حاجة، أنا أسف، مروة متسافريش وتسبيني كده، بيتي اتخرب.
مروة قربت منه وطلعت من شنطتها ورقة تالتة، وقالت له بصوت ناشف خلاص يا محمود، القطر فات.. ودي ورقة
الجزء الرابع
وقف الزمان في مدخل العمارة، ونظرات الحاضرين كلها اتعلقت بالورقة اللي مروة مادت بيها إيدها لمحمود. أبوها وأمها واقفين بملابس الإحرام البيضا اللي كانت بتعكس نقاء قلبهم، في مقابل السواد والكسرة اللي كانوا باينين في عين محمود.
محمود مسك الورقة بإيد بتترعش، ونزل عينيه يقرأ السطور. مكنتش ورقة طلاق زي ما جه في باله، مكنتش نهاية.. كانت حاجة أصعب بكتير وأقسى على كرامته. مروة كانت كاتبة تنازل رسمي وإقرار؛ تنازل منه عن كل سلطة ليه في البيت، وإقرار بجدولة الديون اللي عليه ليها بالمليم، مع شرط جزائي يخليه يروح ورا الشمس لو فكر يوم يدخل أمه في حياتهم أو يرفع صوته في البيت تاني.
محمود رفع عينه ليها والدموع غرقاها إنتِ بتمضيني على مۏتي يا مروة؟ عايزاني أبقى مجرد خيال مآتة في بيتي؟
مروة عدلت نضارتها بكل برود وقالت ده لو عاوز يفضل ليك بيت من الأساس يا محمود. الورقة دي هي تمن رجوعك للشقة الفوقانية لما أرجع من العمرة، وهي الضمان الوحيد إن ولادك يفضلوا في حضنك وفي مدارسهم. مش عاجبك؟ المحامي بتاعي بكره الصبح هيكمل إجراءات النفقة والحجز على مرتبك، والطلاق هيحصل بحكم محكمة. قدامك لحد ما أرجع من بيت الله الحړام تفكر.. وتمضي، أو تسيب الورقة وتنسى إن كان ليك زوجة اسمها مروة.
أبو مروة طبَطب على كتف محمود وقال بنبرة هادية بس مليانة لوم يا ابني، إحنا ياما شيلناك، وبنتي عمرها ما قصرت معاك ولا استخسرت فيك لقمة، لكن تشمت فيها الغريب وتقوم أمك عليها عشان بتبرنا؟ ده جزاء الإحسان؟ سيبنا بقى نروح لربنا بقلوب صافية، وفكر في حالك.
مروة شاورت للسواق يشيل الشنط، وركبت العربية مع أبوها وأمها من غير ما تلتفت وراها، وسابت محمود واقف بطوله في ضلمة الشارع، ماسك الورقة في إيده وكأنها جمرة ڼار بتلسع صوابعه.
رجع محمود البيت وهو بيجر رجليه جر. الشارع كان هس هس، وصوت جزمته على الأرض كان بيعمل صدى صوت مرعب. دخل شقة أمه تحت، لقى الحاجة فاطمة قاعدة على السرير، عينيها حمرة من العياط والغيظ، أول ما شافته دخل، قامت وقفت وسألته بلهفة عملت إيه يا محمود؟ طردت الحرباية وأهلها؟ وريتها قيمتها؟
محمود بص لأمه بنظرة خالية من أي تعبير، نظرة مېت بيحاكي حي. رمى الورقة على السرير قدامها وقال بصوت واطي ومبحوح شوفي قيمتي إنتِ يا أمي.. شوفي قيمتي اللي ضاعت بسببك. الهانم سافرت العمرة، وسايبالي الورقة دي.. إما أمضي وأبقى عبد ليها ولشروطها، أو أترمي في السچن والديون تاكلني ولادي يضيعوا مني.
فاطمة مسكت الورقة وقرأت كلام المحامي، وشها جاب ألوان وصوتت يا مصېبتي! عايزة تكسر راجلي؟ عايزة تلغي وجودك؟ أوعى تمضي يا محمود! ټموت جوع ولا تمضي على ذل نفسك لست!
محمود ضحك بۏجع وسخرية عالية هزت حيطان الأوضة، ونزل على ركبه قدام أمه وصړخ أموت جوع لوحدي يا أمي؟! ولا أموت مديون ومفضوح وسط الناس والمحاضرين تحت بيتي؟! المدارس اللي بتقولوا عليها فاشخرة دي، تمن ترم واحد فيها يعدي مرتب المعمل بتاعي في سنة! قسط العربية اللي راكبها وبقول أنا صاحب عربية، مروة اللي كانت بتدفعه من شقاها في الشركة الإنترناشونال! أنا مكنتش راجل بفلوسي يا أمي، أنا كنت راجل بسترها ليا ولبيتي، وإنتِ جيتي بايدك وهديتي الستر ده!
فاطمة اټصدمت من كلام ابنها وطريقتة، قعدت على السرير وخبّت وشها بإيديها وهي بټعيط، لأول مرة تحس إنها بغرورها وحشرية مناخيرها في ماليّة مرات ابنها، ډمرت مستقبل ابنها الوحيد وسندها في الدنيا.
مرت الأيام تقيلة وزي الحجر على البيت. الشقة الفوقانية مقفولة ومطفي نورها، ومحمود عايش في شقة أمه كأنه شبح، بيروح المعمل ويرجع، وعينه مابتفارقش الموبايل، بيتابع
تم نسخ الرابط