كل يوم
سنة.
ساد الصمت.
ثم جاء الرد من الخارج
كنتِ فاكرة إني مت؟
وأحمد فهم أن السر الحقيقي لم يكن في محمود وحده...
بل في عائلة أمه نفسها لم تستطع الحاجة ليلى أن تتحرك.
صوت أختها من خلف الباب كان كافيًا ليعيد إليها عشرين سنة من الخۏف.
قالت بصوت مرتجف
إنتِ ماتِتِ قدامي.
جاء الرد
اللي ماټ كان لازم ېموت علشان الباقيين يعيشوا.
العمدة بص لأحمد وقال
دلوقتي لازم تعرف كل حاجة.
فتح الصندوق الأخير.
كان بداخله دفتر قديم، وصور، وتسجيلات تثبت أن والد أحمد ومحمود وعم عبده كانوا يحاولون كشف مجموعة تستغل أهل القرية وتبتزهم بالمعلومات، وأن ۏفاة والد أحمد كانت حادثًا أثناء محاولته حماية الأدلة.
أما محمود، فلم يمت.
هو اختفى بإرادته، وظل سبع سنوات بعيدًا حتى لا يصلوا إليه.
والستون كيلو من اللحمة لم تكن لغرض مرعب كما ظن أهل البلد؛ كانت وسيلة لإيصال الطعام للأسر المحتاجة، وفي الوقت نفسه تمرير الرسائل بين الأشخاص الذين كانوا يساعدون محمود.
أما المرأة التي ظن الجميع أنها خالة ليلى، فكانت تعرف جزءًا من الحقيقة، وعادت بعد سنوات لتسليم آخر دليل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الدفتر.
وجد أحمد آخر صفحة بخط والده
يا أحمد، لو وصلت للنهاية، اعرف إن أعظم انتصار مش إنك ټنتقم... لكن إنك تمنع اللي حصل من إنه يتكرر.
أحمد أغلق الدفتر.
وبعدها بساعات، وصلت قوة أخرى من الشرطة، وتم القبض على الأشخاص المتورطين، واستُعيدت الملفات والأدلة.
أما العمدة وعم عبده وناهد، فقد شهدوا بكل ما يعرفونه.
الحاجة ليلى أخيرًا عرفت أن ابنها محمود كان حيًا طوال هذه السنوات.
ولأول مرة منذ سبع سنين...
جلست معه على سفرة واحدة.
وضعت أمامه طبق اللحمة.
وقالت وهي تضحك وسط دموعها
كل يا ابني... المرة دي مش هخليكي تستنى سبع سنين.
محمود ابتسم وقبل يدها.
أما أحمد، فوقف عند باب البيت ونظر إلى صورة والده.
ثم قال
سامحتك يا أبي... دلوقتي فهمت ليه عملت كل ده.
ومن يومها، اتقفلت السفينة المهجورة نهائيًا.
والقرية بطلت تتكلم عن الحاجة ليلى باعتبارها الست اللي بتشتري ستين كيلو لحمة كل يوم.
بقت بالنسبة لهم...
الأم اللي فضلت سبع سنين تحمي سر ابنها، لحد ما رجع سالم .
والأغرب؟
بعد أشهر، رجع عم عبده يفتح محل الجزارة كالمعتاد.
وفي صباح هادئ، دخلت الحاجة ليلى.
عم عبده ابتسم وقال
ستين كيلو كالعادة؟
ضحكت وقالت
لأ يا عم عبده... النهارده كيلو واحد بس.
سألها
ليه؟
ابتسمت وهي تخرج النقود من كيسها القديم
علشان محمود رجع... ومبقاش محتاج أستخبى.
وانتهى السر الذي أرعب القرية سبع سنوات...
لكن فضل سؤال واحد من غير إجابة
من الذي أرسل أول رسالة إلى محمود قبل كل شيء؟
لأن الرسالة كانت موقعة باسم شخص...
لم يكن أحد يعرفه أصلًا.