كل يوم كان

موقع أيام نيوز

هو الوحيد اللي يعرف مكان النسخة الأصلية.
عقد خالي حاجبيه.
نسخة أصلية من إيه؟
أغمضت عيني أحاول أتذكر.
ثم قلت ببطء
افتكرت...
الټفت الجميع نحوي.
بعد أول مرة حسيت إن في أوراق بتختفي من البيت، بدأت أصور أي مستند مهم وأسيب نسخة عند شخص بثق فيه من زمان... كان محاسب في المركز الطبي، وبعدها نقل شغله لمكان تاني.
تنفس المسؤول بارتياح.
يبقى نستدعيه.
بعد ساعات...
دخل الرجل الغرفة.
كان في بداية الستينات، يحمل حقيبة جلدية سوداء.
ألقى السلام بهدوء، ثم نظر إليّ وقال
الحمد لله إنك بقيتي أحسن.
ثم وضع الحقيبة على الطاولة.
قال
أنا احتفظت بالأمانة دي سنين... وما فتحتهاش أبدًا.
فتح الحقيبة.
أخرج منها مظروفًا كبيرًا مغلقًا بالشمع.
كان مكتوبًا عليه بخط يدي
لا يُفتح إلا بحضوري.
ساد الصمت.
ناولني المسؤول المظروف.
كسرت ختم الشمع بيدي المرتعشة.
كان بداخله مجموعة من المستندات، وفي آخرها خطاب كتبته لنفسي قبل سنوات.
بدأت أقرأ بصوت مرتجف
لو وصلتي لليوم ده، افتكري إنك كتبتي الرسالة دي وإنتِ بكامل وعيك، علشان محدش يقدر يقنعك إن ذاكرتك خانتك.
توقفت لحظة، والدموع نزلت من عيني.
ثم أكملت
كل ورقة هنا هي نسخة احتياطية من أوراق اختفت من البيت في أوقات مختلفة. كنت بخاف أواجه، لكن كنت بخاف أكتر تضيع الحقيقة.
رفع المسؤول أول مستند.
كان نسخة من تقرير طبي قديم.
ورفع الثاني.
كان نسخة من خطاب استدعاء للمراجعة.
ثم رفع الثالث...
وتجمد مكانه.
نظر إلى الدكتورة وقال
ده أول مستند يوضح التسلسل الكامل للأحداث بالتواريخ.
اقترب خالي ليسمع.
لكن المسؤول أغلق الملف مرة أخرى وقال
قبل ما نقرأه... لازم يتسجل رسميًا ضمن الأوراق.
أما حسام...
فكان يجلس في آخر الغرفة، لا يتكلم، وعيناه لا تفارقان ذلك المستند، وكأنه يعرف أن ما بداخله قد يغيّر كل شيء وقف المسؤول وأغلق الملف بهدوء.
ثم قال
بعد مراجعة كل الأوراق والتقارير والشهادات... الحقيقة بقت واضحة.
ساد الصمت في الغرفة.
الټفت إلى حسام.
أنت أخفيت مستندات مهمة، ومنعت وصول معلومات طبية لندى، وضللتها لسنوات بأنها السبب في كل ما حدث.
حسام حاول يتكلم، لكن الكلمات اختفت.
خفض رأسه لأول مرة.
أما أنا...
فشعرت أن الحمل الثقيل اللي كنت شايله على قلبي بدأ يخف.
اقتربت الدكتورة مني وقالت بابتسامة هادئة
إنتِ كنتِ محتاجة تعرفي الحقيقة من زمان.
سألتها بصوت مرتجف
يعني... عمري ما كنت السبب؟
ابتسمت وقالت
أبدًا... كل الفحوصات كانت بتؤكد إن حالتك كانت تحتاج متابعة طبية طبيعية، لكن إخفاء النتائج وعدم استكمال المراجعات هو اللي ضيع عليكم سنين من غير معرفة الحقيقة.
انهرت في البكاء.
مش على السنين اللي ضاعت...
لكن على نفسي.
على البنت اللي كانت كل يوم تبص في المراية وتلوم نفسها، وهي بريئة.
أمسك خالي بيدي وقال
من النهارده... مش هتكوني لوحدك.
بعد أسابيع...
خرجت من المستشفى، وبدأت حياة جديدة.
رجعت أتواصل مع أهلي، واستخرجت أوراقي، وبدأت أشتغل من جديد.
كل خطوة كانت صعبة...
لكنها كانت للأمام.
أما حسام...
فبقي يواجه نتائج أفعاله وفق الإجراءات القانونية، بعد أن تجمعت الشهادات والمستندات التي كشفت ما أخفاه لسنوات.
وفي آخر جلسة، وقفت أنظر من نافذة المحكمة.
كانت الشمس طالعة.
ابتسمت لأول مرة منذ زمن طويل.
وأدركت أن أقسى شيء عشته لم يكن الألم...
بل أن أصدق كڈبة عن نفسي.
أما أجمل انتصار...
فكان عندما عرفت الحقيقة، واخترت ألا أسمح لأحد أن يكتب بقية حياتي بدلًا مني.
تمت.

تم نسخ الرابط