انا عندي 80 سنه حكايات زيزي
اسم المكان وتاريخ.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا مختومًا.
وقال
الغريب إن الظرف ده ماكانش مع أي مستندات رسمية.
ناولني الظرف.
وعليه بخط بنيامين
لو ظهرت الرسالة دي يومًا... يبقى لسه فيه حاجة ناقصة.
ساد صمت طويل.
نظرت إلى آرثر.
كان مذهولًا.
همس وهو يحدق في الظرف
أنا... عمري ما شفت الرسالة دي.
وضعت يدي على الختم...
لكنني لم أفتحه.
لأنني أدركت أن بعد كل الأسرار التي عرفتها...
ما زال هناك سر واحد أخير ينتظر أن يُروى أخذت الظرف وأنا غير قادرة أمنع ارتعاش إيدي.
كل اللي حواليا كانوا ساكتين.
حتى الأطفال في الحديقة، كأن المكان كله مستني أعرف إيه اللي جواه.
كسرت الختم ببطء...
وسحبت الورقة.
كان أول سطر فيها
لو الرسالة دي وصلت، يبقى الحقيقة أخيرًا بقت كاملة.
أخذت نفسًا عميقًا، وأكملت القراءة.
في المخزن العسكري اللي هتلاقوا فيه الرسالة دي، تركت صندوقًا صغيرًا مقفولًا. مش فيه أسرار حرب... ولا أي حاجة تخصني. فيه حاجة تخصك إنتِ.
نظر الشاب العسكري إلينا وقال
الصندوق موجود فعلًا... لكن محدش قدر يفتحه.
سألته بسرعة
فين هو؟
ابتسم وقال
في العربية.
ذهب إلى السيارة، وعاد يحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا، لونه أزرق داكن.
كان عليه نفس الحرفين اللذين رأيتهما على المنديل منذ أيام
س... ب.
وضعت يدي على الغطاء.
لاحظت أن القفل ليس له مفتاح.
لكن في منتصفه تجويف دائري صغير.
فجأة تذكرت...
أخرجت الساعة القديمة التي وجدتها مع الرسائل.
نظرت إلى ظهرها.
كانت الدائرة المنقوشة عليها بنفس المقاس تمامًا.
وضعت الساعة داخل التجويف...
فصدر صوت خفيف.
وانفتح الصندوق.
في داخله...
لم تكن هناك أوراق.
ولا صور.
ولا رسائل.
كان هناك فقط صندوق مخملي صغير.
فتحته ببطء.
فوجدت خاتمين بسيطين من الفضة.
نفس الخاتمين اللذين كنا نحلم أن نرتديهما يوم زفافنا.
وتحتهما بطاقة كتب فيها بنيامين
يمكن ما قدرناش نكمل الحلم بالشكل اللي تمنيناه... لكن الحب الحقيقي عمره ما احتاج احتفال عشان يبقى حقيقي. شكراً لأنك حفظتي الوعد، وعشتي حياة مليانة خير للناس. ده كان أعظم رد على كل السنين اللي ضاعت.
لم أتمالك نفسي.
ضممت الخاتمين إلى صدري.
ورفعت بصري إلى السماء، وأنا أبتسم لأول مرة منذ سنوات طويلة.
شعرت أن الانتظار انتهى...
ليس لأن كل الأسئلة اتجاوبت.
بل لأن قلبي أخيرًا لقى السلام الذي كان بيدور عليه منذ ستين عامًا. تم بعد أسبوع...
امتلأت حديقة الوعد بالناس.
لم يكونوا يعرفون بنيامين.
لكنهم عرفوا قصته.
أطفال كانوا يزرعون القرنفل الأحمر، وكبار في السن يجلسون على المقاعد يقرؤون الرسائل التي سمحتُ بنشرها، بعد أن حذفت منها كل ما كان شخصيًا.
أصبحت الحديقة مكانًا للأمل... لا للحزن.
وفي صباح هادئ، جاءني دانيال وقال
فيه حاجة لازم تشوفيها.
أخذني إلى طرف الحديقة.
كانت أول بذرة زرعناها تحت الشجرة قد نبتت.
زهرة قرنفل حمراء صغيرة خرجت من الأرض.
ابتسمت وأنا ألمسها برفق.
وقتها تذكرت آخر جملة كتبها بنيامين
لو نبتت أول زهرة... اعرفي إن قصتنا ما انتهتش، هي بس بقت حكاية يرويها غيرنا.
رفعت رأسي إلى السماء وقلت بهدوء
أنا جيت يا بنيامين... متأخرة، لكني جيت.
ثم أخرجت الخاتمين من جيبي.
قبلتهما...
ووضعتهما داخل صندوق زجاجي صغير في مدخل الحديقة.
وتحته لوحة كتب عليها
الحب الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات التي عاشها الأحباء معًا... بل بعدد السنوات التي ظل فيها الوفاء حيًا.
مرت الشهور...
وصارت الحديقة مقصدًا لكل من فقد شخصًا عزيزًا.
كل واحد كان يزرع زهرة، ويكتب اسم من يحبه على بطاقة صغيرة.
ومع مرور الوقت...
امتلأت الحديقة بمئات الزهور.
وفي صباح عيد ميلادي الحادي والثمانين...
جلست تحت نفس الشجرة.
أغمضت عيني.
لم أعد أشعر بالوحدة.
ولا بالانتظار.
ابتسمت لأول مرة دون دموع.
وبينما كانت الشمس تتسلل بين الأغصان، أغمضت عيني بهدوء...
ورحلت في سلام.
وجد أهل البلدة الرسالة الأخيرة بجوار يدي.
وكان مكتوبًا فيها
لا تبكوا عليّ... فقد عشتُ عمرًا كاملًا على وعد، ورحلتُ وأنا أعرف أن الحب الصادق لا ېموت، وأن الوفاء يستطيع أن يهزم الزمن.
ومنذ ذلك اليوم...
أصبحت
حديقة الوعد رمزًا في البلدة.
وكان كل طفل يسأل عن اسمها، يسمع الحكاية كاملة.
حكاية فتاة انتظرت.
ورجل أوفى بوعده.
وحبٍ انتصر... حتى بعد ستين عامًا.
النهاية.