انا عندي 80 سنه حكايات زيزي

موقع أيام نيوز

الحقيقة أصبحت على بُعد خطوة واحدة فقط طلعنا من الكوخ قبل غروب الشمس.
طول الطريق، محدش فينا نطق بكلمة.
الصندوق الأزرق كان في حضڼي، والملف الأسود فوقه، وكل شوية أبص عليهم وأحس إن عمري كله اتحط جواهم.
في صباح اليوم التالي، سافرنا للعنوان المكتوب على القصاصة.
بعد ساعات طويلة، وصلنا لبلدة صغيرة هادئة.
البيوت قليلة، والشوارع فاضية تقريبًا.
وقفنا قدام بيت أبيض قديم، تحيطه أشجار سرو عالية.
طرقت الباب.
بعد لحظات، فتح لنا رجل مسن، يمكن عمره يقرب من المية سنة.
كان ضعيف جدًا، لكنه أول ما شاف الصندوق الأزرق، اتسعت عيناه.
همس بصوت بالكاد يُسمع
أخيرًا... جه اليوم.
قلت بسرعة
حضرتك الكابتن آرثر ميلر؟
هز رأسه بالإيجاب، ثم فتح الباب وقال
ادخلوا... أنا كنت مستنيكم من سنين.
دخلنا غرفة بسيطة، وعلى الحائط كانت صور قديمة لجنود بملابس الحړب.
وفجأة...
وقعت عيني على صورة كبيرة.
تقدمت نحوها ببطء.
كان فيها مجموعة من الجنود.
وفي الصف الأخير...
واقف بنيامين.
نفس الابتسامة.
نفس الملامح.
مددت يدي ألمس الصورة، والدموع نزلت من عيني.
قال آرثر بهدوء
آخر صورة اتصورت له.
جلست وأنا أحاول أتماسك.
قلت
كل اللي عايزاه دلوقتي... أعرف الحقيقة.
تنهد الرجل العجوز طويلًا، ثم أشار إلى الملف الأسود.
وقال
الحقيقة كلها هناك... لكن قبل ما تفتحيه، لازم أوفي آخر وعد قطعته لصاحبك.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا، كان مختومًا بنفس الشمع الأحمر الموجود على الرسائل.
وضعه أمامي وقال
بنيامين سلمني الظرف ده بنفسه... وقال لي لو هي عاشت لحد تمانين سنة، سلمهولها بإيدك... وقبل ما تعرف أي حاجة تانية.
نظرت إلى الظرف، وكان مكتوبًا عليه بخط بنيامين
آخر رسالة... قبل الحقيقة.
شعرت أن قلبي يكاد يتوقف.
مددت يدي نحو الظرف...
لكنني توقفت قبل أن أكسر ختمه، وأنا أدرك أن ما بداخله قد يغيّر كل ما كنت أؤمن به طوال حياتي أخذت الظرف بين يدي.
كان الشمع الأحمر ما زال سليمًا، كأن أحدًا حافظ عليه بعناية طوال عشرات السنين.
كسرت الختم ببطء...
وسحبت الرسالة.
كان أول سطر فيها يقول
حبيبتي... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عرفتي إن ناس أوفياء حافظوا على وعدهم أكتر من نصف قرن.
ابتسمت وسط دموعي.
وأكملت القراءة.
يمكن تكوني سألتي نفسك ألف مرة ليه اختفيت، وليه ما رجعتش. والحقيقة إن فيه ناس ضحّت بعمرها عشان توصل الرسائل دي في الوقت اللي اخترته. لكن قبل ما تعرفي التفاصيل، عايز أطلب منك طلب واحد.
توقفت لحظة.
ثم قرأت السطر التالي
سامحي... قبل ما تعرفي.
أغلقت عيني.
كانت أول مرة أحس أن بنيامين بيكلمني من جديد.
رفع آرثر رأسه وقال
دي كانت وصيته الأولى... إنه ميكونش فيه ڠضب في قلبك قبل ما تعرفي الحقيقة.
ثم أشار إلى الملف الأسود.
دلوقتي... افتحيه.
فتحت الملف بحذر.
لم يكن مليئًا بالأوراق كما توقعت.
كان بداخله خريطة قديمة، وصورة باهتة، ودفتر صغير جدًا مربوط بشريط أزرق.
وعلى أول صفحة من الدفتر، كُتبت جملة واحدة
كل اللي هتقرئيه من هنا... لم يعرفه أحد من قبل.
نظرت إلى آرثر.
كان صامتًا، وعيناه ممتلئتان بالدموع.
وقال بصوت خاڤت
من اللحظة دي... هتعرفي الحقيقة اللي احتفظنا بيها ستين سنة.
وأخذت نفسًا عميقًا...
ثم فتحت أول صفحة من الدفتر قلّبت أول صفحة...
كان التاريخ المكتوب في أعلاها
15 نوفمبر 1968.
وبدأت أقرأ
لو وصلتِ إلى هنا، فأنتِ على وشك معرفة الحقيقة كما عشتها أنا، يومًا بيوم. لا تسمعيها من أحد غيري.
أكملت، وأنا أشعر أن كل كلمة تسحبني إلى الماضي.
في الليلة التي اختفيت فيها، لم أكن وحدي. كنا مجموعة صغيرة نحاول إنقاذ جنود عالقين بعد اشتباك عڼيف. وبعد ساعات طويلة، وجدنا أنفسنا بعيدين تمامًا عن وحدتنا.
توقفت لحظة، ثم واصلت.
عرفت منذ ذلك اليوم أن العودة لن تكون سهلة. لكن الشيء
الوحيد الذي كنت أفكر فيه هو الوعد الذي قطعته لكِ تحت الشجرة.
أغلقت الدفتر للحظة، وضغطت
تم نسخ الرابط