انا عندي 80 سنه حكايات زيزي
المحتويات
إلى آرثر.
نظر هو الآخر إلى الرسم، ثم قال
طول السنين دي... عمري ما شفت الورقة دي.
اقترب الرجل الذي سلمني الصندوق الأزرق، وانحنى بجوار الجذر الذي تشير إليه العلامة.
قال
الأرض هنا شكلها مختلف.
أحضرنا مجرفة صغيرة من السيارة، وبدأنا نحفر بحذر.
عدة دقائق مرت...
ثم اصطدمت المجرفة بشيء صلب.
ركعت على ركبتي، وأزلت التراب بيدي.
ظهر صندوق خشبي صغير، محكم الإغلاق، وقد غطاه التراب والجذور.
كان على غطائه لوحة نحاسية مكتوب عليها
آخر أمانة.
رفعت الصندوق بين يدي، وقلبي يكاد يقفز من مكانه.
كان أخف مما توقعت.
فتحت الغطاء ببطء...
فوجدت بداخله كيسًا قماشيًا صغيرًا، ودفترًا رقيقًا، ورسالة مختومة.
فتحت الكيس أولًا.
خرجت منه حفنة من بذور صغيرة.
استغربت.
أما الدفتر، فكان عنوانه
حديقة الوعد.
وقبل أن أفتحه، سمعت آرثر يهمس
دلوقتي فهمت...
سألته
فهمت إيه؟
قال وهو ينظر إلى البذور
بنيامين ماكانش عايز يسيب وراءه مجرد قصة... كان عايز يسيب حياة.
مددت يدي نحو الرسالة المختومة...
وعرفت أن ما بداخلها هو آخر ما كتبه بنيامين لي...
وآخر سر احتفظ به طوال هذه السنين أخذت الرسالة بيدي...
كانت آخر ظرف في كل ما تركه بنيامين.
ظللت أنظر إليه دقائق طويلة، وكأنني لو فتحته، ستنتهي رحلة انتظرتها ستين عامًا.
تنهدت...
ثم كسرت الختم.
كانت الرسالة قصيرة، لكنها مكتوبة بعناية شديدة.
حبيبتي...
لو وصلتي لهنا، يبقى عرفتِ إن الوعد عمره ما ماټ.
يمكن الناس فاكراكِ عشتِ وحدك، لكن الحقيقة إني كنت بدعيلك كل يوم، مهما كانت المسافة بينا.
البذور اللي في الصندوق دي مش عادية... دي من شجرة القرنفل الأحمر اللي زرعناها سوا وإحنا صغيرين في بيت جدي. احتفظت بجزء منها، وكنت نفسي نزرعها مع بعض لما أرجع.
ولما عرفت إن الزمن سبقني، تمنيت إنك إنتِ اللي تزرعيها. كل زهرة هتطلع منها هتبقى وعد وفّى بوعده... حتى لو بعد عمر كامل.
لم أستطع أن أكمل القراءة من شدة البكاء.
وضعت الرسالة على صدري.
ثم فتحت الدفتر الصغير.
كانت صفحاته مليئة برسومات لحديقة.
أماكن للأشجار...
ومقاعد...
وممرات ضيقة.
وفي آخر صفحة كتب بنيامين
لو قدرتِ، خلي المكان ده يبقى حديقة لكل طفل فقد حد بيحبه، ولكل إنسان لسه مستني أمل. متخليش قصتنا تنتهي بالحزن... خليها تبدأ من جديد في حياة ناس تانية.
ساد الصمت.
حتى العصافير التي كانت فوق الشجرة بدت وكأنها توقفت.
نظر إليّ آرثر، وقال وهو يمسح دموعه
دلوقتي... خلصت الأمانة.
أما الرجل الذي جاء بالصندوق الأزرق، فأخرج من جيبه شيئًا صغيرًا لم نكن قد رأيناه من قبل.
كانت لوحة معدنية قديمة.
وعليها اسم الحديقة محفور بعناية
حديقة الوعد.
قال بابتسامة هادئة
أبويا كان مجهزها من سنين... وكان متأكد إنك هتوافقي.
نظرت إلى الشجرة...
ثم إلى البذور في يدي.
وأدركت أن بعض الوعود لا تنتهي بلقاء...
بل تظل تعيش في كل قلب يعرف معنى الوفاء.
تم بعد شهرين...
وقفت قدام البوابة الخشبية الجديدة.
فوقها لافتة بسيطة مكتوب عليها
حديقة الوعد.
جيران البلدة كلهم حضروا.
أطفال كانوا بيجروا بين الممرات، ومتطوعون بيزرعوا أول شتلات القرنفل الأحمر.
وأنا...
كنت ماسكة العصاية بإيد، والبذور بالإيد التانية.
جثوت بصعوبة عند جذع الشجرة القديمة.
حفرت حفرة صغيرة.
وحطيت أول بذرة.
وهمست
رجعت... زي ما وعدت.
في اللحظة دي، هبت نسمة هواء خفيفة، وتساقطت ورقة من الشجرة على الرسالة الأخيرة.
ابتسم آرثر وقال
كان هيحب يشوف اليوم ده.
وفجأة...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام الحديقة.
نزل منها شاب في أوائل الثلاثينات، لابس بدلة عسكرية.
كان ماسك حقيبة جلدية قديمة.
راح مباشرة ناحية الرجل اللي سلمني الصندوق الأزرق، وقال
حضرتك الأستاذ دانيال؟
هز رأسه.
الشاب فتح الحقيبة، وأخرج ملفًا بني اللون.
وقال
أنا من فريق بيشتغل على أرشيف الحړب... وإحنا بقالنا شهور بندور عليكم.
اتسعت أعيننا.
قال دانيال باستغراب
إحنا؟
رد الشاب
أيوه... لأن من أسبوعين، أثناء ترميم مخزن عسكري قديم،
لقينا صندوق حديدي مقفول.
ثم فتح الملف.
وأخرج صورة باهتة.
الصورة كانت لبنيامين...
لكنه لم يكن وحده.
كان واقف أمام مبنى خشبي، وخلفه لافتة عليها
متابعة القراءة