الساعه كانت 8

موقع أيام نيوز

صمت، وكريم واقف باصص للأرض، مش قادر يرفع عينيه في عينيا.
قربت من الطاولة، أخدت الظرف الأصلي وأوراقي، وحطيتهم في شنطتي.
وبعدين بصيت لكريم وقلت بهدوء
البيت ده من البداية اتدفع فيه عرق عشر سنين... اتعمل بعرق شخص واحد بس. وانت دخلته وعشت فيه على أساس إننا هنبني مستقبل مع بعض.
كريم حاول يتكلم
سارة... أنا اتخدعت...
قاطعتها بمنتهى الثبات
مش مهم مين اتخدع ومين خاف. المهم إنك سمحت لشيء زي ده ېهدد أمني وبيتي من غير ما تكون راجل كفاية انك تصارحني. الشقة دي شقتي... والعلاقة دي انتهت هنا.
فتحت باب الشقة بنفسي.
أشرت لأمينة ولأبنه
الممسحة والجردل لسه مكانهم... بس المرة دي، اتفضلوا اخرجوا بره من غير ما تسيبوا أثر.
خرجت أمينة وهي بتجر رجليها، ووراها كريم وهو محطم تمامًا...
قفلت الباب وراهم بالمفتاح، ورجعت قعدت على الكنبة، مسكت مج القهوة اللي كان برد... وابتسمت وأنا بحس بأول لحظة هدوء وحرية الحقيقية.
كريم فضل باصص لشاشة الموبايل كأنه شاف شبح.
مد إيده بسرعة، لكن أمينة سحبت التليفون وقفلت الشاشة.
قال بصوت متوتر
هو بيتصل بيكي ليه؟
ردت وهي بتخبّي الموبايل في شنطتها
دي حاجة متخصكش.
دي كانت أول مرة أمينة ترفض تجاوب ابنها.
أنا لاحظت حاجة أغرب...
إيديها كانت بتترعش.
مش رعشة ڠضب...
رعشة خوف.
قلت بهدوء
واضح إن الشخص ده أهم من أي حد في الأوضة.
بصتلي نظرة طويلة، وبعدها قالت
لو رديت عليه دلوقتي... هتخسروا كلكم.
وساد الصمت.
وفجأة...
الموبايل رن مرة تانية.
المرة دي أمينة قامت بسرعة وقالت
هدخل البلكونة دقيقة.
لكن قبل ما توصل، كريم وقف قدامها.
هتردي هنا.
حاولت تزقه، لكنه رفض يتحرك.
في اللحظة دي، المكالمة اتقفلت.
وبعد أقل من ثانية...
وصلت رسالة صوتية.
أمينة حاولت تمسحها قبل ما حد يسمعها.
لكن وهي بتشد التليفون منها، ضغطت بالغلط على زر التشغيل.
خرج صوت راجل واضح جدًا
خلصتي ولا لسه؟ متنسيش أهم حاجة... لازم توقع قبل الساعة اتناشر، وإلا كل اللي اتفقنا عليه هيقع.
الرسالة وقفت.
كلنا بصينا لبعض.
أنا قلت
يعني فعلًا كان في خطة.
أمينة قعدت على الكرسي لأول مرة وهي مڼهارة.
غطت وشها بإيديها.
وبعد دقيقة كاملة من السكوت قالت
أنا غلطت... بس ما كنتش فاكرة إن الموضوع هيوصل لكده.
كريم قرب منها.
مين الراجل ده؟
رفعت رأسها ببطء...
وقالت
لو قلت اسمه... هيعرف إني خنت الاتفاق.
ثم أضافت بصوت منخفض
وهو عمره ما بيسامح.
وقبل ما حد يسأل سؤال تاني...
جرس الباب رن.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
مش خبط عادي...
خبط حد واثق إن الباب هيتفتح له.
كلنا بصينا ناحية الباب.
وأنا فتحت تطبيق الكاميرا الخارجية.
ظهرت صورة رجل واقف أمام الشقة، لابس بدلة غامقة، وفي إيده حقيبة جلد سوداء.
رفع رأسه ناحية الكاميرا...
وابتسم.
وبعدين أخرج من جيبه ورقة، ورفعها قدام العدسة.
كانت مكتوب عليها بخط كبير
جئت لاستلام التوقيع.
في اللحظة دي، أمينة شهقت شهقة قوية وهمست
إوعوا تفتحوا الباب...بعد ما قفلت الباب والمفتاح اتلف مرتين، الصوت والضغط اللي كان مالين الشقة اختفوا تماماً.
قعدت على الكنبة، مسكت مج القهوة اللي كان برد تماماً، وخدت نفس عميق لأول مرة من الصبح.
لكن الهدوء دا مكملش كتير...
بعد أقل من ساعة، الموبايل بدأ يرن.
كان كريم.
ما رديتش.
رن تاني وتالت... وبعدها بدأت تيجي رسائل
سارة أرجوكي اسمعيني... أنا مقدر موقفك وحقك، بس أنا اټدمرت. المحامي رفع الوصلات، والراجل بيطالب بالمبلغ كله دلوقتي أو يسجنني. أرجوكي نتقابل بس خمس دقايق.

قفلت الموبايل خالص.
نزلت من الشقة بعد ساعتين، ورحت لمكتب المحامي بتاعي.
شغلتله التسجيلات كلها دخول أمينة، الفيديو بتاع الكاميرا الخارجية مع المحامي، الرسالة الصوتية، وتصوير تبديل الورق.
المحامي ابتسم ابتسامة ثقة وقال
القضية مقفولة تماماً يا سارة. محاولة التزوير والشروع في الڼصب موثقة بالصوت والصورة. لو المحامي دا أو كريم حاولوا يضايقوكي بأي شكل، البلاغ جاهز وهيترفع فوراً للنيابة، والتسجيلات دي كفيلة بإنها
توديهم في داهية.
عملت إخطار رسمي بفك الخطوبة، وطلب للشرطة بعدم التعرض لي أو للشقة.
بعد شهرين...
الحياة رجعت لطبيعتها وهدوئها.
الشقة اللي تعبت فيها سنين فضلت أماني ومكاني الخاص، من غير ديون، ومن غير ناس تحاول تستغلني أو تسرق تعبي.
عرفت بعد فترة من معارف مشتركين إن كريم اضطر يبيع عربيته ويتنازل عن حاجات كتير عشان يحل أزمته المالية ويدفع الفلوس اللي عليه وينجي نفسه من السچن، وأمينة رجعت البلد وهي مش قادرة ترفع عينها في حد.
أما أنا... فتعلمت درس عمره ما يتنسى
اللي ما يشارككش في بناء البيت بعرقه... سهل جداً يفرط فيه أو يهدّه فوق رأسك.
مرت سنة كاملة على اليوم ده.
السيراميك الأبيض اللي كان في يوم مليان طين، بقى مراية بتعكس نور الشمس كل يوم الصبح. الشقة رجعت دافية وهادية، من غير صوت خطوات غريبة ولا توتر مستمر.
في يوم، وأنا نازلة من العمارة عشان أروح الشغل، لمحته...
كان واقف على أول الشارع، شكلياً اتغير تماماً. باين عليه التعب والإنهاك، لابس هدوم بسيطة جداً ومش راكب أي عربية.
أول ما شافني، أخد خطوة ناحيتي كأنه عايز يتكلم... بس أنا ما وقفتش. كملت طريقي بنفس الثبات، ومن غير ما ألتفت ورايا ولا خطوة واحدة.
في اللحظة دي اتأكدت إن أقوى انتصار ممكن تحققه، مش إنك ټنتقم من اللي حاولوا يؤذوك... الانتصار الحقيقي هو إنك تخرّجهم من حياتك تماماً، وتعيش مرتاح في البيت اللي بنيته بتعبك، وإنت عارف إن مفيش حد يقدر يهد سقفك تاني.
النهاية.

تم نسخ الرابط