العوده
الليلة الشؤم.
كانت ندى أخت زوجتي تزورني بين الحين والآخر في السنوات الأولى، تعزيني ونتبادل البكاء على الفقد. لكن مع مرور الوقت، بدأت تبتعد تدريجيًا حتى انقطعت أخبارها تقريبًا إلا من اتصالات جافة في المناسبات. كنت أعذرها، فالمشهد كان يذكرها بالمأساة، ولم أكن أطيق لوم أحد.
عشت أربعين سنة بالتمام والكمال في عزلة تامة. تقاعدت من عملي، وأمضيت أوقاتي بين جدران هذا البيت الهرم. اصفرت الجدران، وتراكم الغبار على الذكريات، لكن الچرح في قلبي ظل ېنزف بنفس الحرارة. كنت كل ليلة أجلس في الصالة، أنظر إلى الباب، وأتخيل أن المعجزة ستحدث، وأن المفتاح يدور في القفل، ويدخل طفلاي يركضان نحو أحضاني.
لكن العمر يمارس وهنه بلا رحمة. بلغت السبعينيات من عمري، وتدهورت حالتي الصحية بشكل كبير. أصبحت الآلام الجسدية تداهمني، وضعف قلبي حتى سقطت مغشيًا عليّ في الصالة ذات يوم. لن ينقذني سوى جاري الذي لاحظ تراكم الجرائد أمام الباب. نقلني إلى المستشفى، وهناك جاء طبيبي الخاص ووضعني أمام الحقيقة المرة يا سيد أحمد، قلبك لم يعد يحتمل العيش بمفردك. أي نوبة هبوط أخرى قد تكون القاضية. أنت بحاجة لرعاية مستمرة.
هنا دخل على الخط سامح، ابن أخي الوحيد، الذي كان يحبني ويرد جميلي دائمًا. قال لي بحديث مليء بالحرص والرجاء يا عمي، البيت كبير عليك وأنت تعاني. ما رأيك أن نبيع هذا المنزل، وتنتقل لتعيش معي ومع زوجتي وأولادي في بيتنا الجديد؟ ستكون بيننا، نرعاك ونخفف عنك وحدتك.
ترددت كثيرًا. كان بيع المنزل بالنسبة لي بمثابة خېانة لذكريات مريم والأطفال. لكنني شعرت في النهاية أنني أصبحت عبئًا، وأن جسدي يطالبني بوضع حد لهذه المواجهة اليومية مع الفراغ. وافقت بصعوبة، وكان أول شروطي أن أقوم أنا بنفسي بتوضيب وحزم مستلزمات وولادي وزوجتي، لا أريد لغريب أن ېلمس ذكرياتهم.
الجزء الثالث الصندوق والخطاب الملعۏن
بدأت أجمع الأشياء بدقة وتأنٍ، وكل قطعة سحبها من الأدراج كانت تسحب معها جزءًا من روحي. حتى وصلت إلى غرفة ليلى. كانت الغرفة تفوح برائحة الرطوبة والأوراق القديمة. اقتربت من سريرها الصغير. حاولت رفع بعض الصناديق المخزنة تحته، لكن مفاصلي خانتني، واشتد عليّ التعب وحشرة أنفاسي. رنيت بجسدي المنهك على المرتبة القديمة المكسوة بقماش سميك داكن.
وفجأة... مع ثقل جسدي على المرتبة، سمعت صوت طقّة معدنية حادة خاڤتة نبضت من داخل حشوة المرتبة الإسفنجية.
توقفت أنفاسي. كان الصوت باديًا ومختلفًا عن طبيعة المرتبة الخشبية أو الإسفنجية. وضعت كفي على نفس الموضع، وبدأت أضغط بيدين ترتجفان. حسست بحجم صلب، مربع الشكل، مستقر عميقًا في منتصف المرتبة تحت القماش.
دفعني فضول قاطع لا أملكه إلى تقليب المرتبة الضخمة بجهد جهيد. عندما أدرت وجهها السفلي نحو الضوء، رأيت فتحة مستطيلة طفيفة في القماش تم خياطتها بشكل يدوي غير متقن باستخدام خيط أسود سميك. لم تكن هذه الخياطة من مصنع المرتبة حتمًا.
هرعت إلى المطبخ وجلبت مقصًا كبيراً. بدأت أقطع الغرز بحذر وقلبي يدق في صدري كطبلة حرب. أدخلت يدي داخل الفتحة بين حشوات القطن والإسفنج حتى لامست أصابعي المعدن البارد. سحبت الجسم الخارجي... كان صندوقًا معدنيًا صغيرًا، مطليًا بالنحاس الذي أكل أطرافه الصدأ، وله قفل صغير ولكن غير موصل بقفل حقيقي، مجرد مزلاج مغلق.
فتحت الصندوق ببراعة أيدي ترتعش. لم يكن بالداخل مجوهرات أو مال. كان هناك ظرف ورقي أصفر قديم، احتفظ بلونه ورائحته رغم العقود الأربعة. أخرجت الورقة المطوية بدقة داخل الظرف، وبمجرد أن فتحتها، عرفت الخط فورًا.
إنه خط مريم...