العوده

موقع أيام نيوز

الجزء الأول الخيط الذي تمزّق
كان كل شيء هادئًا في ذلك الصباح الصيفي البعيد. لم تكن هناك أي أسباب تدعو للشك أو الريبة. خرجت زوجتي مريم ومعها ابننا يوسف ذو الثماني سنوات، وبنتنا ليلى ذات الست سنوات. كانت الفكرة بسيطة؛ رحلة قصيرة لمدة يومين لزيارة أختها ندى التي كانت تعيش في مدينة ساحلية هادئة تبعد ساعتين عن مدينتنا. كنت في ذلك الوقت غرقًا حتى أذنيّ في مشروعات الهندسة والمقاولات، أعمل ليل نهار لأمنّحهم حياة كريمة. أتذكر أنني قبّلت رأس زوجتي، واحتضنت الصغيرين، ووعدتهم بأنني سألحق بهم في عطلة نهاية الأسبوع إن أنهيت أعمالي مبكرًا. ركبت مريم السيارة، وحيّتني بابتسامة دافئة كانت هي الأخيرة التي أراها على وجهها.
مرت ساعات النهار هادئة، وحين حلّ المساء، انتظر أن تتصل بي مريم لتبشرني بحديث الوصول، لكن الهاتف ظل ساكنًا. قلت لنفسي ربما انشغلت بالأطفال أو تمتعوا بالبحر ونسوا الوقت. ولكن في تمام التاسعة مساءً، اهتز هاتف المنزل. رفعت السماعة بابتسامة متوقعًا صوت ليلى وهي تطلب مني ألعابًا، لكن الصوت الذي جاء عبر الخط كان صوت ندى، أخت مريم، مشحونًا بالقلق والارتجاف أحمد؟ مريم وصلت عندك تاني؟ هي والولاد خرجوا من بدري ومش عارفين نوصلهم، ولحد دلوقتي ما وصلوش عندي!
في تلك اللحظة، شعرت ببرودة تسري في أطرافي. تساءلت كيف لم يصلوا ومسافة الطريق لا تتعدى ساعتين؟ خرجت فورًا بسيارتي على طريق الساحل، وأنا أتصل بالشرطة على طول الطريق. مرت ساعات الليل الطويلة في بحث مضنٍ، بين استراحات الطريق ومحطات البنزين، حتى تقاطعت خطوط البحث مع بلاغ من دورية شرطة المرور مع تباشير الفجر الأولى.
كانت السيارة هناك... متوقفة على جانب الكوبري القديم الممتد فوق النهر العريض المتصل بالبحر. كانت سيارتنا بيضاء، أبوابها مغلقة ولكن غير مقفلة بالمفتاح، مفاتيح التشغيل ليست في مكانها، والأغراض الخاصة بالأطفال وأكياس الملابس ما زالت في الصندوق الخلفي. لم تكن هناك أي آثار لفرملة مفاجئة، ولا آثار لدماء، ولا أي دليل على شجار. كان كل شيء يبدو وكأن ركاب السيارة فتحوا الأبواب، ونزلوا في منتصف الليل، وتبخروا في الهواء.
بدأت التحقيقات المكثفة فورًا. سدت الشرطة المنطقة، واستدعيت فرق الغطس لمسح القاع أسفل الكوبري وحوله. خيم الخۏف على المدينة كلها. استجوبت الشرطة الجميع أنا، ندى وزوجها، والجيران. لم تجد الشرطة أي دافع للاڼتحار أو الهروب؛ كانت علاقتي بمريم ممتازة، ولم تكن لدينا مشاكل مالية أو عائلية تذكر. لكن المحققين وضعوا فرضية منطقية بالنسبة لهم ربما انزلقت السيارة أثناء توقفها، أو ربما نزل الأطفال وسقط أحدهم في النهر ومحاولة الأم إنقاذه أدت لغرق الجميع، ثم جرفهم التيار القوي ونقل أجسادهم نحو البحر الأعمق الذي يحظر فيه الغوص الشامل.
انقضت الأيام، ثم الأشهر، ثم السنين. أربع سنوات من البحث المتقطع لم تسفر عن شيء. تم تمشيط الشواطئ والمجاري المائية دون جدوى. وبعد عامين من الحاډثة، صدر حكم محكمة رسمي بإعلان ۏفاة زوجتي مريم وطفليّ يوسف وليلى غيابيًا نتيجة للغرق.
الجزء الثاني صمت السنين وثقل الذكريات
منذ ذلك اليوم، لم أعد أحمد الذي يعرفه الناس. تحولتُ إلى شبح يتردد على بيت فارغ. البيت الذي كان يعج بضحكات الصغار ورائحة طعام مريم الدافئة، تحول إلى متحف للشجن وحفظ الآلام. أغلقت غرفة نومي وغرف الأطفال، ورفضت تغيير أي شيء فيها. سرير يوسف بملائاته ذات صور السيارات، وسرير ليلى بدميتها الملقاة على الوسادة، كل شيء ظل على حاله كأن الزمن توقف في تلك
 

تم نسخ الرابط