دي حتي متعرفشي تقرا
المحتويات
لسه عايش معايا كمان.
ساد الصمت من جديد.
أما داليا، فشعرت أن الحديث كله خرج من بين يديها.
فقالت وهي تضحك باستهزاء
يعني إيه؟ كل ده عشان كانت بنت سفير؟ وفي الآخر واقفة بتقدم أكل!
نظر إليها الرجل العجوز نظرة حادة.
وقال
لو تعرفي مين والدها بجد... ما كنتيش نطقتي الكلمة دي.
أمسك ياسين بكوب الماء، لكنه لم يشرب.
قال بهدوء
كمل.
تنهد نبيل.
قبل خمسة عشر سنة... والدها رفض يوقّع على صفقة كانت هتبيع جزء من ممتلكات الدولة بثمن بخس. ناس كتير خسړت ملايين بسبب رفضه... ومن يومها بدأت الحړب عليه.
ارتجف وجه سلمى.
كانت تعرف أجزاء من الحكاية...
لكنها لم تعرفها كاملة.
وأضاف الرجل
اتلفقت له قضايا... واتجمدت حساباته... واتباعت ممتلكاته... وفي أقل من سنة، الأسرة كلها كانت مفلسة.
ساد الصمت.
حتى الشيف خرج من المطبخ ووقف يستمع.
لكن الشيء الغريب...
أن ياسين لم يبدُ متفاجئًا.
بل بدا وكأنه يعرف القصة.
لاحظت سلمى ذلك.
فسألته لأول مرة
حضرتك... كنت تعرف والدي؟
رفع ياسين عينيه إليها.
ولم يجب مباشرة.
بل قال جملة أربكت كل من في المطعم
مش بس أعرفه...
أنا مدين له بحياتي.
وفجأة...
رن هاتف ياسين.
نظر إلى الشاشة.
واختفت ملامح وجهه تمامًا.
كان اسم المتصل
العم فؤاد.
ضغط على زر الرد، وما إن سمع أول جملة، حتى وقف من مكانه پعنف.
ثم نظر إلى سلمى نظرة مختلفة تمامًا، وقال بصوت منخفض
محدش يخرج من المطعم...
لأن اللي كنت بدور عليه بقاله عشر سنين...
واضح إنه وصل لحد هنا بنفسه تبادل الحارسان النظرات بسرعة.
وأغلق أحدهما باب المطعم الرئيسي بهدوء، بينما اتجه الآخر نحو الباب الخلفي.
في أقل من عشر ثوانٍ...
تحول المطعم الفاخر إلى مكان لا يستطيع أحد مغادرته.
ارتبك الزبائن.
وبدأ الهمس ينتشر بين الطاولات.
أما داليا، فاقتربت من ياسين وهمست بعصبية
إيه اللي بيحصل؟!
رفع يده دون أن ينظر إليها.
إشارة واحدة...
كانت كافية لتسكت.
ثم أعاد الهاتف إلى أذنه وقال
متأكد؟
ساد صمت قصير.
ثم قال بصوت أخفض
خليه تحت المراقبة... ومحدش يقرب منه لحد ما أتأكد بنفسي.
أنهى المكالمة.
والټفت إلى سلمى.
من ساعة ما دخلت المطعم... حد سأل عليكي؟
هزت رأسها بالنفي.
لا.
حد بعتلك جواب؟ رسالة؟ قابلِك بره؟
أبدًا.
قبل أن يرد...
اندفع عامل التوصيل الصغير من باب المطبخ وهو يلهث.
كان يحمل ظرفًا بنيًا صغيرًا.
وقال لمدير الصالة
واحد بره أصرّ إن الظرف ده يتسلم للنادلة سلمى... وقال إنه لازم يتفتح قدام الأستاذ ياسين.
تجمد الجميع.
أخذ ياسين الظرف بنفسه.
قلبه بين يديه.
لم يكن مكتوبًا عليه سوى كلمة واحدة...
سلمى.
ولا يوجد اسم مرسل.
ولا عنوان.
ولا حتى طابع بريد.
فتح الظرف ببطء.
خرجت منه صورة قديمة.
اصفرّ لونها من الزمن.
نظر إليها ياسين...
فتغير وجهه بالكامل.
مد يده إلى الطاولة ليستند عليها.
حتى نبيل اقترب وهو يردد
مستحيل...
التفتت سلمى لترى الصورة.
وما إن وقعت عيناها عليها...
شهقت.
كانت صورة التقطت منذ أكثر من عشرين عامًا.
تجمع رجلين وشخصًا صغيرًا.
الرجل الأول...
والدها.
أما الرجل الثاني...
فكان والد ياسين عبدالعزيز.
أما الطفلان الواقفان أمامهما...
فكان أحدهما ياسين وهو في العاشرة.
والطفلة الأخرى...
كانت سلمى.
تراجعت خطوة للخلف.
أنا... أنا عمري ما شفت الصورة دي.
قلب ياسين الصورة.
وكان على ظهرها سطر واحد بخط يد قديم
إذا وصلت هذه الصورة إلى ياسين وسلمى... فاعرفا أن الحقيقة لم تُدفن، وأن الخائڼ لم يمت.
وفي اللحظة نفسها...
دوّى صوت ارتطام قوي من خارج المطعم.
ثم انطفأت الأنوار فجأة.
وغرق المكان كله في ظلام دامس...
ولم يُسمع سوى صړخة امرأة من آخر الصالة لثوانٍ...
لم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يضرب زجاج المطعم...
ثم الصړخة.
أخرج أحد الحراس كشافًا صغيرًا وأضاءه.
تحرك الضوء بين الطاولات بسرعة.
الزبائن كانوا في أماكنهم...
لكن كرسيًا واحدًا فقط كان فارغًا.
شهقت داليا.
فين نبيل؟!
الټفت الجميع.
الرجل العجوز...
اختفى.
وكأنه تبخر.
قال ياسين بحدة
اقفلوا كل المداخل... حالًا!
انطلقت الحراسة في كل اتجاه.
بعد أقل من دقيقة، عادت الكهرباء.
عاد الضوء إلى المطعم...
لكن المفاجأة لم تكن اختفاء نبيل.
بل ما كان موضوعًا فوق كرسيه.
ملف أسود قديم.
لم يكن موجودًا قبل
متابعة القراءة