دي حتي متعرفشي تقرا
المحتويات
حد وخلاص!
ساد الصمت.
وتوقفت الملاعق في الهواء.
ورفع ياسين رأسه للمرة الأولى...
ونظر إلى سلمى بتركيز.
تأمل ملابسها البسيطة...
وحذاءها القديم...
وعينيها المرهقتين.
ثم سألها بصوت هادئ لكنه مرعب
الكلام ده صحيح؟
إنتِ فعلًا ما تعرفيش تقري المنيو؟
كان سؤالًا لا مفر منه.
لو قالت نعم...
ستخسر وظيفتها.
ولو قالت لا...
فستكون كأنها تعترض على الزبون.
ابتسمت داليا بانتصار وقالت
طبعًا ما تعرفش... روحي هاتي حد فاهم بدلِك.
وقفت سلمى في مكانها.
لم يكن ما آلمها هو الإهانة...
بل أنهم افترضوا أنها جاهلة.
هم لم يروا إلا نادلة فقيرة.
ولم يعرفوا أن سلمى كانت يومًا من ألمع الطالبات، وتجيد الفرنسية بطلاقة، وأنها ابنة دبلوماسي مصري سابق، قبل أن تدمر الديون حياة أسرتها وتجبرها على بدء حياة جديدة من الصفر...
حكايات_ميراا
ثبتت سلمى يدها على حافة الصينية حتى لا يلاحظ أحد ارتجاف أصابعها.
ثم رفعت رأسها للمرة الأولى.
ليس بتحدٍ...
بل بهدوء غريب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، والتفتت إلى ياسين مباشرة، وقالت بالفرنسية بطلاقة
Monsieur pardonnezmoi... mais la bouteille que Madame a choisie nest pas un Bordeaux 1982. Cest un vin de table produit dans une région différente et il ne convient pas du tout au plat que le chef vous a préparé.
ساد صمت ثقيل.
لم يفهم معظم الموجودين كلمة واحدة.
لكن وجه ياسين...
تغير.
رفع عينيه إليها ببطء، وكأنه يسمع صوتًا يعرفه منذ زمن بعيد.
أما داليا، فظلّت تبتسم لثوانٍ وهي تظن أن سلمى تتمتم بكلام عشوائي...
إلى أن قال ياسين، بنفس اللغة الفرنسية
ومن علّمكِ كل هذا؟
ردت سلمى فورًا، من غير أي تردد
والدي... قبل أن يخسر كل شيء.
اختفت ابتسامة داليا تمامًا.
ونظرت حولها، ثم قالت بعصبية
هي... هي بتقول إيه؟
لم يجبها أحد.
حتى مدير الصالة كان ينظر إلى سلمى وكأنه يراها لأول مرة.
اقترب الشيف الفرنسي بنفسه من باب المطبخ بعدما سمع الحوار.
كان اسمه جان بيير، ولم يسبق أن سمع سلمى تتحدث الفرنسية أمام أحد.
همس بدهشة
مستحيل...
كل هذه الشهور وهي تخفي مستواها؟
أشار ياسين إلى القائمة.
وقال بهدوء
كمّلي.
أخذت سلمى القائمة بين يديها.
ولم تكتفِ بقراءة أسماء الزجاجات...
بل بدأت تشرح سنة الإنتاج، واختلاف مزارع العنب، وأسباب ارتفاع سعر بعض الأنواع، وأي طبق يناسب كل زجاجة.
كانت تتحدث بثقة أذهلت الجميع.
حتى الشيف كان يهز رأسه موافقًا على كل كلمة.
أما داليا...
فبدأ العرق يتجمع على جبينها.
لأول مرة تشعر أن الكرسي الذي تجلس عليه أصبح ضيقًا جدًا.
وفجأة...
قاطعها ياسين بسؤال واحد.
إذا كنتِ تعرفين كل هذا...
فلماذا تعملين نادلة؟
سكتت سلمى ثواني.
ثم قالت بصوت منخفض
لأن الشهادة لا تطعم الجائع...
ولأن البنوك لا ترحم.
ساد الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة...
لم يكن صمت خوف.
بل صمت احترام.
وفي تلك اللحظة، خرج رجل مسن من آخر الصالة.
كان يحمل بيده عصا خشبية، ويرتدي بدلة قديمة أنيقة.
ما إن وقعت عيناه على سلمى حتى تجمد مكانه.
ثم همس بصوت مرتعش
مستحيل...
سلمى... بنت السفير محمود النجار؟
التفتت سلمى فجأة.
واتسعت عيناها.
عرفت الرجل فورًا...
لكنه كان آخر شخص توقعت أن تراه في هذا المكان.
أما ياسين...
فما إن سمع اسم محمود النجار حتى اختفى هدوؤه لأول مرة.
وأطبق أصابعه بقوة على حافة الطاولة...
كأنه تذكر شيئًا دفنه منذ سنوات طويلة...شهقت داليا وهي تنظر بين الرجل العجوز وسلمى.
أما مدير الصالة، فابتلع ريقه وهو يهمس
حضرتك... تعرفها؟
اقترب الرجل بخطوات بطيئة، وعيناه لا تفارقان وجه سلمى.
وقال بصوت اختلط فيه الذهول بالحزن
عرفتها وهي طفلة... كانت تيجي مع والدها السفير كل أسبوع تقريبًا... وكانت بتتكلم فرنسي أحسن من الدبلوماسيين نفسهم.
انخفضت عينا سلمى إلى الأرض.
لم تكن تريد أن يسمع أحد هذا الكلام.
فالماضي بالنسبة لها...
كان بابًا أغلقته بيديها.
لكن ياسين
لم يبعد نظره عنها.
وسأل الرجل
إنت مين؟
رد بهدوء
اسمي نبيل فوزي... كنت المستشار القانوني للسفير محمود النجار قبل ۏفاته.
اتسعت عينا سلمى.
أستاذ نبيل...
إنت لسه عايش؟
ابتسم بحزن.
ووعدي لوالدك
متابعة القراءة