بصى يا بت الناس

موقع أيام نيوز

عندما ټوفي بهدوء وهو نائم بعد عمر طويل، اجتمعت الأسرة لفتح الظرف.
كان مكتوبًا في أول سطر
لو بتقروا الورقة دي، يبقى أنا سافرت عند رب كريم. أوعوا تزعلوا عليّ... أنا عشت العمر اللي كنت بحلم بيه.
وأكمل
يا ياسين... خليك سند لأختك وأولادك، وما تظلمش حد بسبب كلام الناس.
يا مريم... خلي قلبك رحيم زي أمك.
وأما أنتِ يا عايدة... فأنا مش لاقي كلمة أشكرك بيها. يوم دخلت بيتكم كنت فاكر إني راجل مكسور، لكن الحقيقة إن ربنا بعتك عشان تصلحي كسري. لو خيروني أعيش العمر كله من جديد... هختارك أنتِ كل مرة.
انهمرت دموع عايدة وهي تضم الخطاب إلى صدرها.
وقالت بصوت خاڤت
وأنا... لو رجع بيا الزمن ألف مرة... هقول نفس الكلمة.
سألتها مريم وهي تبكي أنهي كلمة يا أمي؟
ابتسمت عايدة وسط دموعها، ونظرت إلى صورة مصطفى المعلقة على الحائط.
وقالت
موافقة.
وساد الصمت...
صمت مليء بالحب، والرضا، والذكريات.
وهكذا بقيت قصة مصطفى وعايدة تُروى للأبناء والأحفاد، لا لأنها بدأت بمحڼة، بل لأنها أثبتت أن الصدق، والرحمة، وحسن المعاملة، قد يصنعون عمرًا كاملًا من السعادة.
تمت بحمد الله. بعد أيام من رحيل مصطفى، اجتمعت العائلة كلها في البيت الكبير.
كان المكان هادئًا على غير عادته، لكن كل ركن فيه كان يحكي ذكرى.
دخل ياسين مكتب أبيه ليجمع أوراقه، فوجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا مكتوبًا عليه
لا يُفتح إلا بعد رحيلي.
فتحه بحذر، فوجد بداخله ورقة واحدة، ومفتاحًا قديمًا.
قرأ الرسالة بصوت مرتجف
يا أولادي...
لو وصلتم للرسالة دي، يبقى أنا راضٍ بقضاء ربنا، وراضٍ عن عمري كله.
أنا ما سيبتلكمش قصور، ولا كنوز، لكن أتمنى أكون سيبتلكم سمعة طيبة، وقلوب تعرف ترحم الناس.
المفتاح اللي في الصندوق ده... مفتاح أول بيت بدأت فيه حياتي مع أمكم.
ما تبيعوش البيت أبدًا.
خلوه مفتوح لكل محتاج، ولكل بنت يتيمة، ولكل شاب مكسور محتاج حد يسمعه من غير ما يحكم عليه.
افتكروا إن أجمل قرار في حياتي ما كانش تجارة كسبت منها، ولا دهب جمعته...
أجمل قرار كان إني قلت الحقيقة لبنت اسمها عايدة، وهي ردت بكلمة واحدة غيرت عمري كله.
ربوا أولادكم على الصدق، لأن الصدق يمكن يوجع في أوله... لكنه عمره ما بيخون صاحبه في آخر الطريق.
انتهى ياسين من القراءة وهو يبكي.
أما عايدة، فأخذت المفتاح بين يديها، وقبلته في هدوء، ثم قالت
وعد يا مصطفى... هيفضل البيت مفتوح طول ما فينا نفس.
وبالفعل، تحول البيت إلى دار خير، يدخلها المحتاج فيجد بابًا مفتوحًا، وكلمة طيبة، ويدًا تمتد بالمساعدة.
ومرت الأعوام...
وفي إحدى الأمسيات، جلست عايدة على نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه مصطفى كل يوم عند الغروب.
رفعت بصرها إلى السماء، وابتسمت ابتسامة هادئة، ثم همست
الحمد لله يا رب...
ما ندمتش يوم إني قلت موافقة.
وأغمضت عينيها في سکينة، وكأنها ذهبت لتكمل الرحلة مع رفيق عمرها.
وبقيت قصتهما تتردد على ألسنة أهل البلد جيلًا بعد جيل، ليس لأنهما كانا أغنى الناس، ولا لأن حياتهما كانت بلا ابتلاء، بل لأنهما أثبتا أن البيت الذي يُبنى على الصدق، والرحمة، والاحترام... لا تهزه الأيام.
﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط