بصى يا بت الناس

موقع أيام نيوز

بحل مشكلة... لكن ربنا كان بيرتب لك عمرك كله.
سكت لحظة، وبص لصورة الحاج أبوه المعلقة على الحيطة.
وقال
لو بابا كان عايش... كان فرح أوي.
في ليلة قراءة الفاتحة، مصطفى طلب يقعد مع الشاب لوحدهم.
نفس الطلب...
ونفس المندرة...
ونفس الإحساس اللي عاشه من عشرين سنة.
قال للشاب
أنا هسألك سؤال واحد... إنت داخل الجوازة دي مقتنع ببنتي؟ ولا حد غاصبك؟
ابتسم الشاب.
وقال
والله يا حاج... أنا اتمنيتها من سنين.
ابتسم مصطفى.
ثم قال
وفي حاجة لازم أقولهالك... بنتي دكتورة، ولسه قدامها مشوار كبير، ولو في يوم حصل أي ظرف صحي أو أي ابتلاء... أوعى في يوم تجرحها بحاجة ربنا كتبها عليها.
الشاب رد من غير تردد
أوعدك.
خرج الشاب، وكانت عايدة واقفة تسمع من بعيد.
قالت وهي تبتسم
عملت معاه زي ما عملت معايا؟
ضحك مصطفى.
كنت لازم أتأكد إنه يستحقها.
بعد شهر، اتجوزت مريم.
وأثناء الفرح، وقف ياسين على المسرح وقال
قبل ما نكمل الفرح... أنا عايز أحكي حاجة صغيرة.
القاعة سكتت.
قال
أنا عرفت وأنا عندي عشر سنين إن بابا اتوجع كتير بسبب كلام الناس... لكن عمره ما خلانا نكره حد، ولا ربانا على الاڼتقام.
وبص لأبوه.
وقال
كل اللي أنا وإختي بقيناه النهارده... سببه راجل علّمنا إن الكرامة في الأخلاق، مش في الرد على الناس.
القاعة كلها سقفت.
أما مصطفى، فبص لعايدة.
كانت دموعها نازلة وهي بتفتكر اليوم اللي قالت فيه كلمة واحدة غيرت حياتهم
موافقة.
وقتها همس لها
الكلمة دي بنت بيت... وبنت عيلة... وبنت عمر كامل.
ابتسمت، وقالت
وأنت يوم ما اخترت الصدق... ربنا اختارك للعوض.
وانتهى الفرح، لكن الحكاية فضلت تتحكى في البلد سنين طويلة، ليس لأنها قصة رجل رُزق بالأبناء، بل لأنها قصة زوجين بدأا حياتهما بالصدق، فكتب الله لهما المودة والرحمة والعوض الجميل. تم بعد ثلاثين سنة...
كان مصطفى قاعد على الكرسي الخشب قدام بيته وقت المغرب، ماسك سبحته، وشعره بقى أبيض بالكامل.
البيت اللي بدأ بأوضتين صغيرين، بقى بيت كبير، مليان صوت الأحفاد.
جدو... جدو!
خمسة عيال كانوا بيجروا عليه، وكل واحد عايز يقعد 
ضحك وهو بيقول
واحدة واحدة... جدو مش قدكم كلكم.
عايدة خرجت من المطبخ، ولسه فيها نفس الهدوء اللي خطڤ قلبه من أول يوم.
حطت قدامه كباية الشاي، وقالت
كل يوم بيجروا عليك كأنهم أول مرة يشوفوك.
رد وهو بيبصلها
ربنا يديم الضحكة دي في البيت.
في نفس الأسبوع، أهل البلد قرروا يعملوا احتفال كبير للحاج مصطفى، بعد ما أعلن إنه هيسيب إدارة محل الدهب لياسين.
العمدة وقف قدام الناس وقال
كلنا نعرف الحاج مصطفى كتاجر ناجح... لكن قليل يعرفوا إنه على مدار السنين دي كان بيسدد ديون الغارمين في السر، ويجهز بنات يتامى للجواز، ويساعد طلبة كتير يكملوا تعليمهم، من غير ما حد يعرف.
مصطفى اتكسف وقال
يا جماعة... لو سمحتوا، كفاية.
لكن واحد من الشباب وقف وقال
لا يا حاج... النهارده لازم الناس تعرف إن الرجولة مش بالفلوس... الرجولة بالمواقف.
الناس كلها وقفت تسقف.
بعد الحفل، رجع البيت.
فتح دولاب قديم في أوضة النوم.
طلع منه ظرف أصفر.
جواه... أول تقرير طبي استلمه في حياته.
والورقة اللي عاش بسببها أسوأ أيام عمره.
بص لها دقيقة كاملة.
ثم نادى
يا ياسين.
دخل ابنه.
قال له
عارف الورقة دي؟
هز ياسين رأسه.
دي كانت سبب إن أبوك فقد الأمل فترة.
ثم قطعها قدامه، ورماها في المدفأة.
وقال
افتكر دايمًا... الإنسان ما يبنيش عمره على ورقة، ولا على كلام الناس... يبنيه على ثقته في ربنا، وسعيه، ورضاه.
وقال
إحنا اتعلمنا الدرس ده منك.
وفي ليلة هادئة...
كان مصطفى وعايدة قاعدين على السطح.
نفس السطح...
ونفس المكان...
اللي وقفوا فيه من سنين طويلة يشربوا الشاي.
بص لها وقال وهو يبتسم
فاكرة أول مرة سألتك ليه وافقتي؟
ضحكت.
وأنا ما جاوبتش.
قال
قولي بقى... بعد العمر ده كله.
ابتسمت وهي تبص للقمر.
وقالت
أصل الحقيقة... إني كنت بدعي

ربنا
تم نسخ الرابط