بعد ٨ سنين

موقع أيام نيوز

يلا نروح الملاهي زي ما وعدتينا؟
بصيت لملامحهم البريئة، للضحكة اللي مالية وشوشهم، وحسيت إن الحكم الحقيقي مش اللي نطق بيه القاضي.. الحكم الحقيقي هو الضحكة دي.
ابتسمت لهم وسقنا العربية في شوارع القاهرة، وفي طريقي للملاهي، جالي إشعار على الموبايل من حساب شركتي تم تحويل الأرباح السنوية الجديدة لحسابكم بنجاح.
قفلت الشاشة، وأخدت نفس عميق وأنا ببص لعيال شريف اللي بقوا ولاد مريم وبس، وفهمت إن الدائرة دارت بالكامل؛ الراجل اللي هرب عشان خاېف من الفقر والمسؤولية، اتسجن بسبب الفلوس والمسؤولية.. وإحنا اللي اتسابنا في البرد، بقينا نملك الدنيا كلها الولاد كانوا ماليين العربية بضحكهم ولعبهم، والشوارع برة كانت زحمة ومبهجة، والناس بتحتفل بالعيد وكأن الدنيا كلها بتشاركنا الفرحة والانتصار.
وصلنا أكبر مدينة ملاهي، والحراس بتوعي فتحوا الأبواب ونزلنا وسط ترحيب خاص من إدارة المكان اللي كانت مستنيانا. الولاد انطلقوا زي العصافير؛ يوسف وكريم بيجروا ورا بعض، ونور وملك ماسكين في إيدي وبيشاوروا على الألعاب الكبيرة وعينيهم بتلمع بفرحة عمري ما شوفتها في وشوشهم قبل كده. كنت واقفة بَبص عليهم، وسرحت لثواني في شريط حياتي اللي مر قدام عيني.. افتكرت ليلة الشتا الباردة من تمن سنين لما كنت قاعدة على الرصيف بعيط، مش معايا حق كشف الدكتور، والنهاردة الملاهي دي كلها محجوزة عشاني وعشان ولادي.
وفجأة، وسط الزحمة والصوت العالي، لمح تليفون داليا بيرن برقم غريب. داليا ردت، ووشها قلب علامات تعجب واستغراب، وبصتلي بذهول وهي بتقول مريم هانم.. دي مراته التانية.. طليقته الجديدة، واقفة عند بوابة الملاهي مع الحرس وبرة وطالبة تقابلك دقيقة واحدة بس.. وبتقول إنها معاها حاجة تخصك!
حواجبي اترفعوا باستغراب. شاورت للحراس يدخلوها، ووقفت في مكان هادي بعيد عن لعب الولاد.
بعد دقيقتين، ظهرت.. كانت متبهدلة، عينيها حمرا من العياط، وفاقدة كل مظاهر المنظرة والشياكة اللي شوفتها بيها في الفيلا. أول ما قربت مني، مكانش في عينها أي غل أو كره، بالعكس، كان في عينها نظرة انكسار وخوف وندم حقيقي.
وقفت قدامي، وطلعت من شنطتها ورق قديم متقطع ومتبهدل، ومدت إيدها بيه وهي بترتعش وقالت بصوت مكسور مريم.. أنا مش جاية أطلب منك تنازل عن شريف، هو يستاهل كل اللي جرى له وأنا رفعت عليه قضية طلاق وخالعة نفسي منه.. أنا جاية أديكي ده.
أخدت الورق منها وبصيت فيه.. عيني وسعت من الصدمة.
دي كانت أوراق تحاليل وإشاعات قديمة من تمن سنين، تخص شريف.. ومكتوب فيها تقرير طبي رسمي بيمضي عليه دكتور كبير، بيثبت إن شريف عنده مشاكل صحية بتمنعه من الخلفة نهائياً، وإن نسبة إنجابه كانت شبه مستحيلة!
بصيت لها بذهول، وهي كملت بدموع مڼهارة شريف كان عارف من قبل ما يتجوزك إنه مبيخلفش، ولما إنتي حملتي في التوائم، عقله المړيض أقنعه إنك بتخونيه وإنه مستحيل يكون الأب، عشان كده اتهملك بالكدب ورمى عليكي اليمين وهرب! هو مكنش بيهرب من المسؤولية وبس يا مريم.. هو كان هربان من حقيقته وعجزه، ولما شاف الولاد النهاردة في الفيلا بنسختهم منه، فهم إن ربنا عمل معاه معجزة وهو رفسها برجله وعاش تمن سنين فاكرك خاېنة، والنهاردة بس عرف إن العيب كان فيه هو.. وإني أنا نفسي كنت هطلق منه بسبب الموضوع ده!
الورق اتهز في إيدي.. الحقيقة نزلت عليا زي المايه الساقعة. الراجل ده عاش تمن سنين ظالمني وظالم عياله في سرّه، والنهاردة ربنا فضحه بأكبر حقيقة كان مستخبي منها.
في اللحظة دي، صوت
ضحكة عالية
جداً رنت في المكان.. لفيت راسي
لقيت يوسف وكريم ونور وملك جايين بيجروا عليا، والۏجع والحقد وكل الماضي اتمحى تماماً من قلبي. بصيت لمراته السابقة، ورجعت لها الورق في إيدها وقلت لها بكل برود وعينيا على ولادي شريف مبقاش يفرق معايا، حقيقته أو عجزه ميهمونيش في حاجة.. الراجل ده ماټ بالنسبة لنا من تمن سنين. خدي ورقك، وسيبيه في سجنه ياكل في نفسه لما يفهم إنه ضيع معجزة ربنا بإيده.
مشيت وسبتها واقفة مكانها، ورحت لولادي ونور صړخت بفرحة ماما! يلا اركبي معانا اللعبة دي!
ابتسمت من كل قلبي، ولفيت معاهم، وفي اللحظة اللي اللعبة بدأت تتحرك وتلف بينا لفوق، بصيت للسما الصافية وأنا حاسة بانتصار حقيقي ملوش مثيل.. الماضي اتقفل واتدفن، والنهاردة بدأت حياتنا بجد.

تم نسخ الرابط