بعد ٨ سنين

موقع أيام نيوز

ضحكت عيلتي بسخرية لما قعدت لوحدي في حفل تخرج أخويا من القوات الخاصة لحد ما القائد وقف قدامي وقال يا فندم... إحنا كنا مستنيينك.
أول حاجة لاحظتها أمي لما دخلت قاعدة بحرية في الإسكندرية، كانت فستاني الأسود البسيط من غير أي زينة.
تاني حاجة كانت نبرة صوتها.
النبرة الهادية، المرتبة اللي شبه صوت الناس في العزا أو في عزومة عائلية، لما الكل بيعمل نفسه محترم، بس في الحقيقة بيحطك في مركز الإهانة.
لفّت على العسكري عند البوابة بابتسامة خفيفة، ولسه لابسة السلسلة بتاعتها، ومظبطة الطرحة كأن حتى القسۏة لازم تبان شيك.
وقالت بصوت واطي
دي مجرد البنت المشكلة في العيلة من فضلك ما تسيبهاش تبوظ اليوم ده علينا.
الشمس كانت حامية على الأرض، والهوا فيه ريحة ملح البحر وقهوة باردة في أكواب ورق. الكراسي مترتبة، والأعلام بترفرف، وكل عيلة قاعدة بفخر مستنية اللحظة الكبيرة.
أبويا ضحك ضحكة خفيفة
متحكم فيها قاطعة.
الضحكة اللي بيستخدمها لما الحكم اتاخد خلاص وأنا المفروض أقبله.
العسكري مسك الكارنيه بتاعي وبيراجعه
إيمان حسن؟
أمي ردت بسرعة
أيوه هي بس أكيد في غلطة.
كان دايمًا في غلطة لما اسمي يظهر في مكان هي مش مسيطرة عليه.
قالت بثقة
النهارده يوم كريم.
على بعد شوية، أخويا كريم واقف ببدلته العسكرية جاهز يستلم شارة النخبة. كان بالظبط الصورة اللي أبويا كان بيحلم بيها واقف باعتزاز، ناجح، بطل.
بصلي بنظرة سريعة وقال
ما تعمليش مشاكل النهارده يا إيمان.
كنت سايقة 6 ساعات علشان أحضر أقعد في هدوء وأشوفه في أهم يوم في حياته.
من غير مشاكل.
من غير كلام.
من غير عتاب.
كنت وعدت نفسي هسكت.
وقعدت فعلًا.
وشبكت إيدي.
وسكت.
وده كان أكتر حاجة بتضايقهم.
ڠضبي كانوا بيستخدموه ضدي.
دموعي كانوا بيستهينوا بيها.
لكن سكوتي كان بيخليهم مش عارفين يمسكوا عليّ حاجة.
أمي همست لعمتي
لابسة أسود في يوم أخوها متوقعة.
بصيت على الفستان.
الأسود كان عملي.
مش بيكرمش.
ومش بيظهر الډم.
لأن في حاجات هما عمرهم ما عرفوها عني.
أماكن مقفولة.
مهمات سرية.
مكالمات في نص الليل.
ملفات مش بيتقال فيها أسماء.
بالنسبة لهم أنا لسه البنت اللي سابت الكلية، واختفت سنين، ورجعت هادية زيادة عن اللزوم.
الناس بتحب الأبطال
بس لما يبانوا بوضوح.
لكن لما البطولة تبقى في صمت
بتخوفهم.
أبويا قال
كان لازم تتصلي قبل ما تيجي.
رديت بهدوء
أنا مدعوة.
أمي ابتسمت بسخرية
من مين؟
العسكري بص في الورق تاني
وشكله اتغير.
اسمي ماكنش في قائمة العيلة.
كان في ورقة لوحده
بختم مختلف.
إيمان حسن وصول 800 صباحًا قيادة العمليات.
وقف العسكري باستقامة فجأة.
أمي لاحظت.
أبويا لاحظ.
كريم لاحظ.
قالت أمي بقلق
إيه ده؟
العسكري بصلي أنا، وقال باحترام
يا فندم في تعديل في مكان جلوسك.
ضحكة أبويا اختفت.
الحفل بدأ
الكل سكت.
كريم بصلي وقال بعصبية
إنتي عملتي إيه؟
كنت هضحك
مش علشان الموضوع مضحك
بس لأن بعد كل السنين دي، ده السؤال الوحيد اللي بيعرفوا يسألوه.
عملتي إيه؟
مش
فين كنتي؟
ولا
إنتي كويسة؟
ولا
إيه اللي حصل لك؟
بس دايمًا
عملتي إيه؟
أمي مسكت إيدي پعنف
أي لعبة دي وقفيها حالًا.
بصيت لإيدها لحد ما هي اللي سابتني.
القائد بدأ كلمته
عن الشرف والټضحية.
وفجأة سكت.
مش وقف لحظة
لا، سكت تمامًا.
وبعدين بص
عدّى بعينه كل الحضور
ووقف عليّ أنا.
الدنيا كلها حسّت.
أمي اتجمدت.
أبويا نزل نظارته.
كريم لف يشوف.
القائد نزل من على المنصة
خطوة
وبعدين خطوة.
العسكري جنبي وقف انتباه فجأة.
القائد وقف قدامي.
وقدام كل الناس
رفع إيده تحية عسكرية.
وقال
يا فندم إحنا كنا مستنيينك.
الجزء الثاني
الكلمة وقعت على المكان كله زي صدمة كهرباء.
يا فندم إحنا كنا مستنيينك.
الصمت نزل فجأة تقيل.
ولا صوت كراسي ولا همسات حتى الهوا نفسه كأنه وقف لحظة.
أمي كانت أول واحدة تتحرك، بصّت حواليها كأنها مستنية حد يضحك ويقول إن ده هزار.
فيه غلط قالتها بصوت مهزوز، بس محدش رد.
أبويا وقف متخشب لأول مرة في حياته، مش لاقي كلمة يقولها.
أما كريم
كان واقف مكانه، بس ملامحه اتغيرت.
مش ڠضب
ولا سخرية
حيرة.
القائد فضل واقف قدامي، إيده
لسه

تم نسخ الرابط