لقيت بنتين صغيرين

موقع أيام نيوز

الجدران رسمت نجوماً ذهبية وقرص قمر صغير، وعلى الجدار الآخر، رسمت شمساً دافئة تشرق من وراء الجبال. تركت للبنات حرية اختيار الأغطية؛ فاختارت قمر رسومات الديناصورات، واختارت شمس الورود. لم تكن الألوان متناسقة أبداً، لكنها كانت أجمل غرفة رأيتها في حياتي.
وفي ذات يوم، وبينما كنا نرتب الألعاب، وجدت قمر صندوقاً صغيراً يخص مريم. كان بداخله رسائل كتبتها زوجتي أثناء فترة مرضها الأخيرة. كانت هناك رسالة لي، ورسالة أخرى مكتوب عليها لبناتي.. لو قدر ليهم يقرأوا ده في يوم من الأيام.
استغرقت يومين كاملين لأجمع شجاعتي وأفتح رسالتي. كانت تقول
حبيبي أحمد.. لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أكيد عرفت الحقيقة. سامحني إني سكت؛ مكنتش عاوزة أبيع لك وهم وممكن يكسرك أكتر لو منجحش. بس كنت محتاجة أحاول أسيب لك حتة من روحي وعمري، لأنك اديتني أجمل حياة كانت ممكن أعيشها. لو بناتي وصلوا لك، متفتكرش إني جيت متأخرة.. افتكر بس إني لقيت الطريقة اللي أرجع لك بيها للبيت.
قرأت الرسالة وأنا جالس على شرفة المنزل، على نفس العتبة التي رأيت عليها قمر وشمس لأول مرة. كانتا تلعبان على العشب بكرة حمراء؛ تعثرت شمس فسارعت قمر لتنهضها، وتابعتا الركض والضحك وكأن العالم لم يكن يوماً قاسياً في حقهما.
بعد 6 أشهر، أُغلقت قضية إثبات النسب والتبني الكامل رسمياً، وصدرت شهادات الميلاد قمر أحمد رفعت وشمس أحمد رفعت، ابنتي أحمد رفعت ومريم السعيد. وطلبت إدراج اسم سعدية محمد أم سعد في الأوراق العائلية الخاصة بنا، ليس كأم قانونية، بل كامرأة بطلة حمت وفاء زوجتي وصانت بناتي حتى آخر أنفاسها. وعلى قپرها، وضعت زهوراً بيضاء ولافته صغيرة كتب عليها
شكرًا لأنكِ عدتِ بهما إلى المنزل.
احتفلنا بعيد ميلادهما الأول معاً في الحديقة؛ لم أدعُ رجال أعمال ولا سياسيين ولا أقارب منافقين يبحثون عن الصور. دعوت الأستاذة تريزا، والمحامي إيهاب، والدكتور مدحت، ومعلمات الروضة، وبعض الجيران الذين ساعدونا. كان هناك تورته فانيليا، وزينة نجوم، وطفلتان تصرخان فرحاً ووجهاهما ملطخان بالكريمة.
وعندما حل الليل، أمسكت قمر بيدي وسألتني
بابا.. هي ماما مريم شايفانا دلوقتي؟
نظرت إلى السماء الصافية فوق البحيرة وقلت
أنا متأكد إنها شايفانا ومبسوطة بينا جداً.
رفعت شمس الدلاية الفضية التي أصبحت الآن نظيفة ولامعة ومعلقة في سلسلة جديدة وقالت
وماما أم سعد كمان شايفانا؟
حملتها بين ذراعيّ وقلت
طبعاً يا روح بابا.
فكرت قمر قليلاً ثم قالت ببراءة
يعني إحنا عندنا أمهات كتير في السماء بيحبونا؟
ابتسمت والدموع تملأ عيني
أيوة يا قلب بابا.. وكلهم حرسوكم عشان تيجوا لحضني في الآخر.
في تلك الليلة، بعد أن نامتا، وقفت عند باب غرفتهما أستمع إلى أنفاسهما الهادئة. لسنوات طويلة، كنت أظن أن الحب الأكبر في حياتي قد انتهى في المستشفى عندما أفلتت يد مريم الدافئة من يدي. لكنني كنت مخطئاً؛ فالأصل في الحب أنه لا ينتهي، بل يختبئ أحياناً، يقطع طرقاً مستحيلة، ينجو من جشع البشر، ينام في أحضان امرأة ريفية طيبة، ليظهر فجأة في عصر يوم
جمعة على هيئة طفلتين حافيتي القدمين تمسكان بكسرة عيش ناشف.
خسړت أمي مكانتها في حياتي، لكن بناتي كسبن مكانهن. خسر محمود ثقتي، لكن الحقيقة أنقذت قمر وشمس. خسړت مريم معركتها ضد المړض، لكنها وجدت الطريقة لتترك لي الشيء الوحيد الذي يعيد لي الرغبة في الحياة.
الآن، كلما سألني أحد إن كنت أؤمن بالمعجزات، لا أتحدث عن أضواء في السماء أو أصوات غامضة؛ بل أتحدث عن بيت ظل مغلقاً لسنتين، عن منديل ورق مخبأ، عن دلاية فضية وسط رغيف عيش ناشف..
أتحدث عن طفلتين لم تبكيا يوم وجدتهما، لأنهما بطريقة ما لا أفهمها، كانتا تعلمان أنهما عادتا إلى بيتهما الحقيقي.
وإن كنت قد تعلمت شيئاً من كل هذا، فهو أن هناك أسراراً تهدم عائلات، لكن هناك حقائق تبنيها من بين الأنقاض. فالدم لا يمكن إخفاؤه، والأوراق قد تختفي، وأصحاب الأموال قد يشترون الصمت لوقت طويل... لكن ما كتبه الله لك ليجدك، سيتخطى كل الصعاب ويطرق بابك عاجلاً أم آجلاً.
وقد طرق بابي بأربع أيدٍ صغيرة متسخة، ونظرتين مطمئنتين، وكلمة واحدة أحيت روحي من جديد
بابا.

تم نسخ الرابط