لقيت بنتين صغيرين

موقع أيام نيوز

لقيت بنتين قدام بيتي القديم في الفيوم، حافيين وبيموتوا من الجوع. مكنتش أعرف إن رغيف العيش اللي في إيديهم مخبي سر يخص مراتي اللي ماټت من سنتين و هيكشفلى اكبر مؤامرة ډمرت حياتى ..
الجزء الأول سر الرغيف الناشف
لو البنتين دول ظهروا في أرضي تاني، أنا هطلب لهم الشرطة!
قالتها أمي وهي واقفة على عتبة باب البيت الريفي، في حين كانت الطفلتان يختبئان خلف ساقيَّ، وكل واحدة منهما تقبض بيدها الصغيرة على قطعة من رغيف عيش فينو ناشف.
كنت قد قدت سيارتي طوال الطريق حتى وصلنا إلى الفيوم لأودع آخر بيت متبقٍ لي من ذكريات مريم، زوجتي الراحلة. كنت أظن أنني سأقضي عطلة نهاية الأسبوع بمفردي، أبكي أمام البحيرة، وأقوم بتعبئة كتبها في صناديق لأغلق هذه الصفحة من حياتي إلى الأبد. لكن بمجرد وصولي، فوجئت بطفلتين توأم، متطابقتين تماماً، حافيتي القدمين، وثيابهما متسخة، ترتجفان على الشرفة الخشبية وكأنهما تنتظرانني منذ ساعات طويلة.
لم تتجاوز أعمارهما الثلاث سنوات. كانتا شقراوين، بعيون ملونة، وفساتين ملطخة بالتراب وشعر متشابك. إحداهما كانت تضغط بالرغيف الناشف على صدرها بقوة، والأخرى كانت تنظر إليّ دون أن تبكي، بهدوء غريب كان يؤلم الروح أكثر من أي صړاخ.
انحنيت على ركبتي وسألتهما
اسمكم إيه؟
الطفلة الأكثر جرأة أشارت إلى صدرها وقالت
قمر.
ثم أشارت إلى أختها التوأم
شمس.
لم أكن أدري إن كانت هذه أسمائهما الحقيقية أم أنها أسماء اختلقاها من الخۏف والجوع.
سألتهما مجدداً
فين مامتكم؟
خفضت الطفلتان نظراتهما إلى الأرض. قضمت شمس طرف الرغيف قضمًا خفيفاً، لكنها توقفت فجأة واحتفظت بباقيه وكأنه كنز من الذهب.
همست قمر قائلة
ده بتاع ماما.
شعرت بضړبة قوية في صدري. أنا أحمد رفعت، صاحب شركات المقاولات، الفنادق، والأراضي التي تتصدر صورها مجلات المال والأعمال. رجل يمتلك سائقاً خاصاً، وجيشاً من المحامين، وقصراً في مصر الجديدة، وحسابات بنكية لا أحتاج حتى لمراجعتها. لكن في تلك اللحظة بالذات، لم أكن أعرف ماذا أفعل سوى أن أفتح الباب، وأبحث عن بعض البسكويت، وأقوم بتدفئة الحليب وأجلسهما في المطبخ... المطبخ نفسه الذي طالما حلمت مريم بأن تملأه بالأطفال يوماً ما.
اتصلت بنجدة الشرطة، وخط نجدة الطفل، والمجلس القومي للأمومة والطفولة في المنطقة. وبما أننا كنا في وقت متأخر من مساء الجمعة، كان رد الجميع واحداً يوم الإثنين الصبح هنبعت مندوب.
يوم الإثنين! وكأن طفلتين مهجورتين يمكنهما الانتظار ثلاثة أيام كاملة داخل ملف على مكتب.
حممتهما بنفسي بقدر ما استطعت. وألبستهما قميصين من قمصاني كانا يصلان إلى ركبتيهما. جهزت لهما أرزاً وبيضاً وعصيراً. تناولتا الطعام في صمت شديد، وكأنهما تحسبان حساباً لكل قمة. وفي تلك الليلة، قمت بضم سريرين معاً حتى لا تسقطا، وقبل أن تناما، سألتني قمر
هو أنت كمان مامتك ضاعت منك؟
لم أستطع الإجابة. فكرت في مريم، في ذلك المړض الخبيث الذي خطڤها مني في ستة أشهر فقط، في العلاجات التي لم تجدِ نفعاً، في غرفتها الفارغة، وفي غرفة الأطفال التي جهزناها ولم تُستغل قط.
وفي عصر يوم الأحد، وصلت أمي دون سابق إنذار، ومعها شقيقي محمود وزوجته نهى. لم أكن قد اتصلت بهم أو دعوتهم، لكنهم دخلوا البيت وكأنه ما زال ملكاً لهم.
سألت نهى وهي تلوى أنفها باشتئزاز
مين البنات دول؟
أجبتها
لقيتهم هنا، لوحدهم. حماية الطفل هتوصل بكرة الصبح.
نظرت إليّ أمي وكأنني ارتكبت حماقة لا تغتفر وقالت
يا أحمد متكونش ساذج. في مصر مفيش حد بيسيب أطفال عند باب واحد ملياردير بالصدفة كده.
أطلق محمود ضحكة ساخرة وجافة وقال
أكيد في حد عاوز يبتزك ويطلع منك بقرشين، أو الأسوأ،

تم نسخ الرابط