ابوها طردها

موقع أيام نيوز

ساد المكان، وكل واحد كان واقف سمع الكلام ده، وبدأ الحاج عبد الحميد يترنح، ومسك بعمود النخيل عشان ما يقعش، لسانة اتعقد وما قدرش ينطق بكلمة واحدة.
مريم كملت بصوت أعمق وأكثر قسۏة كل حاجة كانت واضحة من زمان.. كل ما كنت أقول لكم إن الأرض بتعبان، إن الزرع بيضيع، إن التاجر ده نصاب.. كنتوا بتكذبوني عشان ما يكشف سركم.. السر اللي خليكم تكرهوني وتطردوني عشان أكون بعيدة ولا أعرف الحقيقة!
الجزء الثالث
بدأت مريم تسرد الحكاية كلمة بكلمة، وكل كلمة كانت كالسوط على وجوههم، وفي نفس الوقت كانت تخرج الأوراق من حقيبتها وترفعها عشان كل الناس اللي تجمعوا حول المزرعة يقرأوها ويتأكدوا منها.
جدتي لأمتي، السيدة زينب، كانت تمتلك مائتين وخمسين فدان، كلها خصوبة وماء.. كتبت عقد الملكية باسمها سنة 1978، وبعد ما ماټت وهي أمي صغيرة، سلمت الأوراق لعمها، أبو عبد الحميد، عشان يحفظها لها لحد ما تبلغ سن الرشد.. بس هو باعها لنفسه بسعر زهيد، وحرر عقداً وهمياً بإن أمي تنازلت له عنها، وهي ما كانتش تعرف تقرأ ولا تكتب!
رفعت عقد الملكية الأصلي، وعقد البيع الوهمي، وشهادة من مأمورية الشهر العقاري تثبت أن التوقيع اللي مكتوب باسم أمها مزور تماماً، وتواريخ التسجيل متضاربة ومخالفة للقانون.
ولما اتجوزت أمي منك يا أبي، كنت عارف كل ده.. وكنت عارف إنها لو عرفت الحقيقة هتطالب بحقها، فخليتها تعيش في جهل تام، واخدت كل الفلوس اللي كانت بتجيبها الأرض وضيعتها في القماړ والمعاملات المشپوهة في القاهرة.. ولما ماټت أمي، خفت أنا أكبر وأعرف الحقيقة، فبدأتوا تضيعوا الأرض، تبيعوا الفدان ورا الفدان للتاجر الجشع اللي كنت أحذركم منه، وكل الفلوس كانت تروح لكم، ولا فدان واحد حافظتوه لي ولا لذكرى أمي!
الحاج عبد الحميد حاول يتكلم، يبرر، يقول أي حاجة تخلصه من الموقف المهين ده، بس ما لقاش كلام، عشان كل ما يقوله كان مُدحض ومُثبت خطؤه بالأدلة الدامغة.
إبراهيم صړخ وحتى لو كان كلامك صح.. إزاي جبتي الفلوس عشان تشتري الديون؟ وإزاي عرفتي كل ده؟ أنتِ كنتِ شغالة غسالة صحون في المطاعم، ما معكيش قرش!
مريم التفتت له، ونظرت له نظرة لم ترحم فيها شيء أنا ما سرقتش ولا أخذت حاجة حراماً.. لما طردتوني ونمت على الرصيف، لقيت راجل عجوز كان بيعمل في مزرعة جدتي زمان، وكان هو اللي شاف عمك وهو بيحرر العقد المزور، وسكت خوفاً منكم.. لما شافني في موقف الأتوبيس وعرفني، سألني عن حالي، وحكيتله كل حاجة، فقال لي عنده كل الأوراق القديمة والشهادات اللي تثبت الحق، وعرض عليا يساعدني بكل ما يملك، وورث من أبيه فلوس كتير كان محتفظ بيها عشان يوصل الحق لصاحبه!
سكتت شوية عشان تتنفس، وتكمل عاشت معاه في القاهرة، درست المحاسبة والقانون، وتعلمت كل ما يخص الأراضي والعقود.. وبدأت أتابع كل المعاملات، كل الديون اللي كنتوا بتاخدوها من البنك باسم المزرعة، وكل الرهون اللي وقعتوها على الأرض.. وكل ما كنتوا تبيعوا جزء، كنت أشتريه من المشتري فوراً بفلوسي، وكل ما كنتوا تاخدوا قرض، كنت أدفعه للبنك وأنتقل الحق في المطالبة ليا أنا!
كانت صدمة للجميع، أهل البلد كانوا يسمعوا ويتعجبوا، منهم من كان يعرف أن الحاج عبد الحميد مش أمين، بس ما كانش يتخيل إن الخداع يوصل لهذا الحد، وإن بنته اللي طردها هي الوحيدة اللي حاربت عشان ترجع الحق.
وفجأة سمعوا صوت بكاء عالي، لفتوا انتباههم لمدحت اللي
كان قاعد على الأرض يبكي
زي الأطفال،
تم نسخ الرابط