رجعت البيت بقلم منال علي

موقع أيام نيوز

كل حاجة من غير ما حد يحس.
وقبل أن يسأله مصطفى أي سؤال...
أغلق الرجل الخط.
نظر مصطفى إلى شاشة الهاتف، ثم إلى علبة الدواء في يده، وشعر أن كل خطوة تقوده إلى سر أكبر مما كان يتخيل... وأن هناك شاهدًا آخر لم يظهر بعد، يحمل القطعة الأخيرة من الحقيقة وصل مصطفى إلى المستشفى وهو يحمل في قلبه وجعًا لا يوصف، لكنه كان يعرف أن الوقت لم يعد وقت ڠضب، بل وقت إنقاذ أسرته.
دخل إلى غرفة ياسمين، فوجدها مستيقظة لأول مرة منذ أيام، وحمزة نائم بجوارها في هدوء.
جلس أمامها، وأمسك يدها وقال بصوت مكسور
سامحيني... أنا كنت موجود، لكني ما شفتش تعبك.
ابتسمت ياسمين رغم ضعفها، وقالت
أهم حاجة إنك صدقتني قبل ما يكون فات الأوان.
في اليوم التالي، خرجت ياسمين من المستشفى بعد أن استقرت حالتها، وعادت مع مصطفى إلى بيت جديد استأجره بعيدًا عن أي توتر، حتى تبدأ هي وحمزة حياة هادئة.
أما والدته، فذهب إليها مصطفى بمفرده.
قال لها بهدوء لم تعهده منه
أنا عمري ما هأنكر تعبك معايا وأنا صغير، ولا هأنسى فضلك، لكن اللي حصل مع ياسمين كان غلط كبير. هي كانت محتاجة رعاية ورحمة، مش قسۏة.
حاولت تبرر أفعالها، وقالت إنها كانت تريد أن تعلمها الاعتماد على نفسها، لكنه رد
التربية عمرها ما تكون بحرمان مريضة من علاجها أو منعها من الراحة.
ترك لها مفاتيح الشقة القديمة، وأخبرها أنه سيظل يبرها ويسأل عنها، لكن حياته الزوجية ستكون مستقلة، ولن يسمح لأي أحد أن يتدخل فيها مرة أخرى.
ومع مرور الأيام، بدأت والدته تشعر بالوحدة، وأدركت أن تمسكها بالسيطرة على حياة ابنها كاد يهدم أسرته كلها.
بعد عدة أشهر، ذهبت بنفسها إلى بيت مصطفى.
طرقت الباب بخجل.
فتحت لها ياسمين.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قالت الأم والدموع في عينيها
أنا غلطت... وافتكرت إن الشدة هي الصح. سامحيني لو تقدري.
لم تنسَ ياسمين ما مرت به، لكنها لم ترد أن يكبر حمزة وسط الكراهية.
قالت بهدوء
المسامحة محتاجة وقت... لكن باب الخير عمره ما يتقفل.
مرت السنوات.
كبر حمزة في بيت مليء بالهدوء والاحترام، وتعلم من والديه أن الرحمة ليست ضعفًا، وأن الأسرة لا تقوم على السيطرة، بل على المودة والتفاهم.
أما مصطفى، فكلما عاد من عمله، كان يحمل هدية صغيرة لزوجته وابنه، لكنه صار يحمل معها شيئًا أهم بكثير...
الإنصات.
فقد أدرك أن أقرب الناس إليه قد يبتسمون في وجهه، بينما يكون أكثر شخص يحتاجه هو من يطلب النجدة بصوت خاڤت.
تمت.

تم نسخ الرابط