انا جوزي مسافر بقلم روماني مكرم
السنين حدث خلاف كبير بين الجد وأخيه.
الخلاف لم يكن على المال.
ولا الأرض.
بل على قرار غيّر حياة الأسرة كلها.
كل واحد تمسك برأيه.
وتحول الخلاف إلى قطيعة.
ثم ماټ الكبار.
وورث الصغار العداوة دون أن يعرفوا السبب الحقيقي.
قال فؤاد
وأنا لما كبرت حاولت أوصل لكم.
لكن كل مرة كانت الظروف تمنع.
ثم اكتشفت اختفاء عادل.
وبعدها ۏفاة والدكم.
ومع الوقت ضاعت الخيوط.
لحد ما لقيت الدفتر.
سألته نورا
طيب ليه بعت المفتاح من غير ما تعرفنا بنفسك؟
ابتسم.
لأنكم لو جيتوا بسبب الفضول هتسمعوا الحقيقة كلها.
أما لو جيت أنا فجأة أقولكم إننا أقارب، محدش كان هيصدق.
مرت ساعات طويلة في الحديث.
وقصص قديمة.
وصور.
وحكايات لم يسمعها أحد من قبل.
حتى بدأ الجميع يشعر أن جزءًا مفقودًا من تاريخهم عاد إليهم.
لكن أثناء الكلام...
فتح فؤاد درج مكتبه.
وأخرج ملفًا آخر.
كان أكثر سمكًا من كل الملفات السابقة.
ووضعه أمامهم.
ثم تغيرت ملامحه.
قال
الحقيقة فيه سبب تاني مهم جدًا خلاني أدور عليكم.
تجمد الجميع.
سبب إيه؟
رد بهدوء
لأن في شخص تاني بيدور عليكم من سنين.
نظرت صباح إلى سعاد.
ونظرت سعاد إلى عادل.
أما نورا فقالت
مين؟
فتح فؤاد الملف.
وأخرج صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لرجل شاب يقف بجوار جدهم.
لكن لا أحد منهم تعرف عليه.
قال فؤاد
الراجل ده اختفى سنة 1978.
وساب أمانة كبيرة جدًا عند جدكم.
أمانة عمرها ما اتسلمت لصاحبها.
سأل عادل
وإيه علاقتنا إحنا؟
رفع فؤاد الصورة.
ثم أشار إلى الشاب.
وقال
لأن الشخص ده...
هو جد الشخص اللي بيدور عليكم دلوقتي.
وقبل أن يكمل كلامه...
رن هاتف فؤاد.
نظر إلى الشاشة.
وتغير لون وجهه فجأة.
أغلق الهاتف ببطء.
ثم نظر إليهم جميعًا وقال
للأسف... الشخص اللي كنا هنتقابل معاه الأسبوع الجاي وصل القاهرة النهارده.
طيب كويس!
قالتها نورا.
لكن فؤاد هز رأسه.
لا...
مش كويس.
ليه؟
رد بصوت منخفض
لأنه اختفى من ساعة ما وصل المطار...
وفي آخر مكالمة عملها قبل اختفائه قال جملة واحدة
لقيت الحقيقة أخيرًا... لكن في حد مش عايزها تظهر.
وهنا أدرك الجميع أن القصة التي بدأت بطلب 750 جنيه لم تنتهِ بعد... بل دخلت أخطر مرحلة فيها في الأيام التالية...
تحولت القصة كلها إلى لغز كبير.
الشرطة بدأت تبحث عن الرجل المختفي.
وفؤاد سلّم كل الأوراق والمستندات اللي عنده.
أما سعاد وصباح وعادل ونورا فكانوا يعيشون على أعصابهم.
كل يوم خبر جديد.
وكل يوم سؤال جديد.
بعد أسبوعين...
جاء الاتصال المنتظر.
تم العثور على الرجل.
حيًّا.
وسليمًا.
لكن المفاجأة كانت أنه لم يُختطف.
ولم يكن هاربًا.
بل كان مختبئًا بنفسه.
عندما اجتمع الجميع معه أخيرًا...
كشف الحقيقة.
قال إنه اكتشف أن الأمانة التي تركها جده عند جدهم ليست أموالًا ولا ذهبًا.
بل وثائق تثبت ملكية أراضٍ قديمة كانت محل ڼزاع منذ عشرات السنين.
وكان يخشى أن تظهر الوثائق قبل التأكد من صحتها.
لذلك اختفى مؤقتًا حتى يجمع الأدلة كلها.
وبعد مراجعات قانونية طويلة...
ثبتت الحقيقة.
وعادت الحقوق لأصحابها.
لكن المدهش أن أصحاب الحقوق لم يكونوا بحاجة إلى المال بقدر حاجتهم إلى معرفة الحقيقة.
حقيقة ما حدث لآبائهم وأجدادهم.
وحقيقة سبب القطيعة الطويلة بين العائلات.
وفي يوم كبير...
اجتمعت العائلتان لأول مرة
منذ أكثر من ستين سنة.
شيوخ وشباب وأطفال.
قصص وضحكات وصور قديمة.
وكأن الزمن عاد للخلف.
أما نورا...
فأكملت تعليمها بتفوق.
وتخرجت من الجامعة من أوائل دفعتها.
ثم حصلت على وظيفة مرموقة بجهدها وتعبها.
وكان أول راتب لها...
اشترت به هدية بسيطة لأمها صباح.
وسلسلة فضة متواضعة.
وقالت لها
دي أغلى من أي دهب في الدنيا.
فبكت صباح من الفرحة.
أما سعاد...
فكانت أكثر شخص تعلم درسًا قاسيًا.
اكتشفت أن المال يمكن أن يذهب ويعود.
والذهب يمكن أن يُشترى ويُباع.
لكن كسر الخاطر لا يُنسى بسهولة.
ولهذا أصبحت أقرب الناس إلى أختها.
وكانت تحاول كل يوم أن تعوضها عن السنوات التي مضت.
وفي إحدى الأمسيات...
كانت الأسرة كلها مجتمعة تحت شجرة الجميزة القديمة.
نفس الشجرة التي بدأت منها الأسرار كلها.
نظر عادل إلى أخواته.
ثم قال مبتسمًا
عارفين أغرب حاجة؟
إيه؟
إن كل اللي حصل ده بدأ من طلب زيادة 250 جنيه.
ضحك الجميع.
أما صباح فقالت
لا...
ما بدأش من 250 جنيه.
بدأ يوم ما قررت أم ما تستسلمش وتتمسك بحلم بنتها.
ابتسمت نورا.
وأمسكت يد أمها.
بينما كانت الشمس تغيب خلف الجميزة.
وعرفت الأسرة كلها أن النهاية السعيدة لم تأتِ بسبب المال...
بل بسبب الصبر، والعِشرة، والرحمة، وأن الإنسان لا يعرف متى يحتاج لمن يظن أنه لا يحتاجه أبدًا.
تمت.