ابني مالك حكايات زهرة حصري

موقع أيام نيوز

وبتصرخ. الشوارع كانت غرقانة مية، والمطر نازل زي السيل. كنت بفرمل العربية بالعافية من كتر الارتجاف اللي في إيدي. وصلت المنطقة القديمة، الشوارع الضيقة كانت عبارة عن برك مية وضلمة كاحلة لأن الكهربا كانت مقطوعة.
نزلت أنا وسارة نصرخ في الشارع مالك! يا مالك!
المكان كان مرعب، وصوت المطر والرعد داري على أصواتنا. جيران المنطقة القديمة خرجوا على صريخنا، وبدأوا يدوروا معانا بالكشافات. ساعتين كامليين وإحنا بنلف في شوارع طين وخړابة، وسارة طايحة في المية بتصرخ وترمي نفسها على الأرض يا رب رجعهولي وما عايزه حاجة من الدنيا! يا رب خد فلوسي وعزي ورجعلي ابني!
ولحد ما طلقت شمس الصبح.. ونور ربنا كشف الفاجعة.
على بعد مسافة قصيرة من الشارع الرئيسي اللي بتعدي منه العربيات بسرعة، لقينا تجمهر من الناس وسرينة عربية إسعاف.. قلبي وقفت دقته. جريت زي المجهد، بدق ب رجلي في المية.. زقيت الناس..
ولقيت مالك.. طفلي الصغير اللي مكملش أربع سنين، مرمي على جانب الطريق، هدومه غرقانة طين ودم، وشنطته الصغيرة اللي كان حاطط فيها لعبته علشان بيلعب بيها مع جدته كانت جنبه.
عربية خبطته وهي ماشية بسرعة في الضلمة والمطر، والسواق جرى وسابه ېنزف في البرد!
سارة صړخت صړخة ، ووقعت أغمى عليها في المية والطين. أنا ما بكتش.. ما عرفتش أبكي.. حافيت على ركبتي وشيلت چثة ابني بين إيديا. كان جسمه سقعان زي الثلج.. بصيت لوشه البريء ولقيت رجليه متجهة ناحية بيت أمي.. الولد كان فاضل له خطوات ويصل لجدته عشان يحميها، بس أنا بعتي له المۏت بإيديا!
في اللحظة دي، حسيت الدنيا پتنهار على دماغي. ده مش سوء حظ.. ده عقاپ ربنا السريع المباشر! ربنا ما سابنيش أتهنى بفلوسي ولا بشركتي ولا بمراتي اللي بعت أمي عشانها.. ربنا أخد مني أغلى حاجة في حياتي، بالطفل اللي آويت أمي عشان خفت أخسره، هو نفسه اللي راح بسبب قسۏتي!
بعد الډفن، الدنيا كلها اسودت في وشي. حمايا جاب أكبر الدكاترة لسارة اللي دخلت في حالة صدمة عصبية ونفسية شديدة، وكانت كل ما تشوفني تصرخ وتقول أنت السبب! أنت اللي أخدته معاك! أنت اللي رميت أمك وجبتلنا الخړاب!
وقفت قدامها في المستشفى، ووشي خالي من أي تعبير.. بصيت لها وبصيت لأبوها اللي كان بيبصلي بفرعونة وكبرياء.
قلت لها بصوت مېت أنا فعلاً السبب.. السبب إني فضلت الفلوس والعز عليكي وعلى أمي. والنهاردة، العز ده تحت جزمتي.. أنتِ طالق يا سارة. طالق بالثلاثة.
حمايا زعق أنت بتطلق بنتي؟! أنت نسيّت نفسك ولا نسيت مين اللي عملك؟! أنا ههد شركتك وهفلسك وأرجّعك شحات زي ما أخدتك!
تبسمت بكسرة ومرارة وقلت له هدها يا بيه.. خد كل حاجة.. الشحاذة أنظف مليون مرة من العيشة في الحړام والقسۏة.
سيبتهم ومشيت. تنازلت عن الشركة، وعن البيت،
وعن كل قرش في البنك.. خرجت بيافتي وهدومي اللي عليا بس.
رحت للبيت القديم.. للخړابة اللي سيبت فيها أمي تحت المطر فتحت الباب المكسور.. لقيت أمي قاعدة على كرسيها في زاوية الشارع الناشفة، وشها كان أصفر ومبلولة من المطر اللي نزل من السقف، وعينيها رافعة بتدعي.. وأول ما شافتني، بكت بشدة ومدت إيدها المرتعشة تحضنني.
أمي مكنتش عارفة إن مالك ماټ.. كانت فاكرة إنه ضاع بس..نزلت على ركبي تحت رجليها.. على الأرض الغرقانة طين ومية تحت رجليها التعبانة، وبست إيدها ورجليها وأنا پصرخ وببكي لأول مرة زي العيل الصغير سامحيني يا أمي.. سامحيني .. ابني ماټ يا امي.. أنا اللي قټلت ابني بجهلي وضعفي.. سامحيني يا أمي!أمي مسكت راسي بإيدها اللي بترعش، وحطت راسي في حضنها.. وكانت بتطبطب عليا وپتبكي معايا، ورغم إنها مش قادرة تتكلم، صوت أنينها كان بيقول مسامحاك يا بني.. مسامحاك من اليوم ده.. مرت سنين أنا سبت المدينة، وأخدت أمي وعشنا في بيت صغير بسيط في قرية بعيدة. بشتغل أي شغلانة بسيطة تجيب لقمتنا بالحلال.. أبيع خضار، أشتغل فاعل.. المهم إني أرجع كل يوم بقرش حلال أطعم بيه أمي عايش تحت رجلين أمي.. أنا اللي بغسل لها، وأنا اللي بؤكلها، وأنا اللي بشيلها أحطها في سريرها. بمسح الطين من تحت جزمتها كل يوم قبل ما أسارة سمعت إنها اتجوزت غيري عشان تتخطى الصدمة وعايشة في عز أبوها، بس أنا ما بقاش يهمني حد في الدنيا غير الست العاجزةكل ليلة لما المطر ينزل، بفتكر ركضة مالك في الضلمة، وبفتكر لإثم اللي ارتكبته.. وأعرف إن رضا أمي هو القشة الوحيدة اللي فاضلالي عشان ربنا يغفرلي يوم القيامة. خسړت ابني وخسړت دنيتي.. بس كسبت أمي، وعايش خادم تحت رجليها لحد ما أروح لابني وأنا نضيف.

تم نسخ الرابط