بنت رجل الأعمال
يكتب فيها حالتها يومًا بيوم.
جلست تقلب صفحاتها في صمت.
في كل صفحة كانت تجد تاريخًا، وتحته كلمات قليلة
اليوم ابتسمت.
اليوم أكلت نصف رغيف.
اليوم نامت من غير ألم.
ثم توقفت عند آخر صفحة.
كان منصور قد كتب فيها
اليوم قال الطبيب إنها شُفيت... واليوم رجعت روحي.
لم تتمالك ليان نفسها، واحتضنت النوتة وهي تبكي.
في تلك اللحظة، دخل منصور المكتب.
نظر إليها، وعرف أنها قرأت كل شيء.
ابتسم وقال
كنت فاكر أخبيها عنك... لكن يمكن جه وقت تعرفي قد إيه كنتِ سبب إني أتمسك بالحياة.
اقتربت ليان واحتضنت والدها بقوة.
وقالت وهي تمسح دموعها
وأنت كنت سبب إني أعيش.
وقفت سارة تنظر إليهما، وابتسمت في صمت.
شعرت أن كل لحظة ألم مرت بها الأسرة تحولت إلى ذكرى تمنحهم قوة، لا حزنًا.
وفي المساء، علقت ليان النوتة داخل إطار زجاجي في مدخل المؤسسة.
وكتبت أسفلها عبارة قصيرة
وراء كل مريض... قلب لا يتوقف عن الدعاء.
كان كل من يقرأها يدرك أن الشفاء لا يصنعه الدواء وحده...
بل يصنعه أيضًا الحب، والصبر، والأمل الذي لا ينطفئ بعد عشرة أعوام...
امتلأت القاعة بالناس في حفل افتتاح أكبر مستشفى مجاني لعلاج الأطفال في البلاد.
وقف منصور الهواري على المنصة، لكن هذه المرة لم يتحدث عن الأرباح ولا عن الشركات.
أشار إلى ابنته، وقال
كل اللي شايفينه النهارده بدأ من طفلة صغيرة قالوا إنها مش هتعيش غير تلات شهور.
ساد الصمت في القاعة.
ثم صعدت الدكتورة ليان إلى المنصة وسط تصفيق الجميع.
وقفت لحظة، ثم قالت
وأنا صغيرة كنت فاكرة إن المړض أخد مني أجمل سنين عمري... لكن لما كبرت فهمت إنه علمني قيمة كل يوم بعيشه، وعلمني إن الإنسان الحقيقي هو اللي يسيب أثر طيب بعده.
ثم التفتت نحو الصف الأول، حيث كان يجلس والدها وسارة.
نزلت من على المسرح، وأمسكت بأيديهما، وأعادتهما معها إلى المنصة.
وقالت أمام الجميع
النهارده لو في حد يستحق التكريم، فهو أبويا... لأنه عمره ما فقد الأمل فيا، وسارة... لأنها علمتني إن الرحمة ممكن تنقذ حياة إنسان.
وقف الحضور جميعًا يصفقون بحرارة.
كانت دموع منصور تنزل في صمت، بينما سارة لم تستطع أن تخفي تأثرها.
وفي نهاية الحفل، أزاحوا الستار عن لوحة رخامية عند مدخل المستشفى، كُتب عليها
هذا المكان أُنشئ إيمانًا بأن لكل طفل حقًا في العلاج... ولكل قلب مكسور فرصة جديدة للأمل.
خرج الأطفال يجرون في الحديقة، تملأ ضحكاتهم المكان.
رفع منصور بصره إلى السماء وقال بصوت خاڤت
الحمد لله... كنت فاكر إني هفقد بنتي، لكن ربنا رزقني عمرًا جديدًا معها، وجعل من محنتنا بابًا لخيرٍ لا ينقطع.
ابتسمت ليان، وأمسكت بيد والدها وسارة، وساروا معًا بين الأطفال.
وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع أن أعظم الانتصارات ليست في هزيمة المړض فقط...
بل في أن يتحول الألم إلى رحمة، والخۏف إلى أمل، والحياة إلى رسالة تنقذ الآخرين.
تمت.