بنت رجل الأعمال
المحتويات
وكان اسمها معروفًا ليس بسبب شهرة والدها، ولكن بسبب إنسانيتها قبل علمها.
وفي إحدى ليالي الشتاء، وصلت إلى المركز سيارة إسعاف تحمل طفلة في التاسعة من عمرها فاقدة للوعي.
كان الأطباء يحاولون إنقاذها، بينما والدها يقف خارج غرفة الطوارئ يبكي في صمت.
اقتربت منه ليان، ولاحظت أنه يرتدي ملابس عامل بسيط، وقدماه مليئتان بالغبار، وكأنه جاء جريًا من عمله.
قال الرجل بصوت مكسور
بعت كل اللي أملكه... ومش معايا جنيه واحد أكمل بيه علاجها.
ابتسمت ليان وربتت على كتفه وقالت
اطمن... في المكان ده، علاج الأطفال عمره ما كان مرتبط بقدرة أهلهم على الدفع.
دخلت غرفة الطوارئ، وظلت مع الفريق الطبي ساعات كاملة حتى استقرت حالة الطفلة.
خرجت قبل الفجر مباشرة.
ابتسمت للأب وقالت
بنتك بخير... وهتحتاج شوية علاج ومتابعة، وإن شاء الله هترجع البيت قريب.
لم يتمالك الرجل نفسه، وجثا على ركبتيه يشكرها.
أسرعت ليان ترفعه وقالت
متشكرنيش... اشكر ربنا.
بعد أسبوع، خرجت الطفلة من المركز وهي تمسك بيد أبيها وتلوح للجميع.
وقبل أن تغادر، أخرجت من حقيبتها الصغيرة ورقة مطوية وأعطتها لليان.
فتحتها بعد رحيلها.
كانت الورقة مرسومًا عليها طبيبة ترتدي معطفًا أبيض، وبجوارها أطفال كثيرون يبتسمون.
وفي أسفل الرسمة كتبت الطفلة
لما أكبر... نفسي أبقى زيك.
ابتسمت ليان، وأغلقت الورقة برفق، ثم وضعتها داخل دفتر مذكراتها القديم، بجوار أول أمنية كتبتها وهي طفلة.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن الخير لا ينتهي عند الشخص الذي يفعله...
بل يمتد ليصنع خيرًا جديدًا في قلوب الآخرين، جيلًا بعد جيل بعد عدة أشهر، كانت الدكتورة ليان تستعد لإلقاء محاضرة عن الأمراض النادرة أمام مجموعة من الأطباء الشباب.
وقبل أن تبدأ، دخل موظف الاستقبال مسرعًا وقال
يا دكتورة... في طفل برّه رافض يدخل غير لما يشوف حضرتك.
ابتسمت ليان وخرجت.
وجدت طفلًا في السابعة من عمره يختبئ خلف والدته وهو يرتجف من الخۏف.
جلست أمامه وقالت بابتسامة
اسمك إيه يا بطل؟
قال بصوت خاڤت
آدم.
ناولته لعبة صغيرة على شكل دب، وقالت
الدب ده كان معايا وأنا صغيرة لما كنت بتعالج هنا.
اتسعت عينا الطفل وسألها
إنتِ كنتي مريضة؟
هزت رأسها وقالت
أيوه... وكنت بخاف من الحقنة أكتر منك.
ضحك الطفل لأول مرة.
ثم أمسك يدها بنفسه، ودخل غرفة الكشف دون بكاء.
كانت والدته تراقب المشهد وهي تمسح دموعها.
وبعد انتهاء الكشف، قالت لليان
يمكن حضرتك ما تعرفيش... لكن ابني بقاله شهر رافض يدخل أي مستشفى.
ابتسمت ليان وقالت
الطفل محتاج يحس بالأمان قبل العلاج.
في المساء، عاد منصور إلى المركز بعد اجتماع طويل.
وجد لوحة كبيرة معلقة عند المدخل، كتب عليها
هنا... لا يفقد أي طفل حقه في الأمل.
وقف يتأملها طويلًا.
ثم الټفت إلى سارة، التي ما زالت تعمل بالمؤسسة رغم مرور كل تلك السنوات.
قال لها بابتسامة ممتنة
فاكرة أول يوم ډخلتي فيه الفيلا؟
ضحكت سارة وقالت
كنت جاية أدور على شغل... وماكنتش أعرف إن ربنا هيكتبلي عيلة جديدة.
ابتسم منصور وهو ينظر إلى ليان، التي كانت تودع الأطفال واحدًا تلو الآخر.
وقال
يمكن المړض أخد مننا سنين صعبة... لكنه علّمنا إن أعظم استثمار في الدنيا هو إنقاذ إنسان.
وفي نهاية اليوم، أُغلقت أبواب المركز، لكن نور الأمل الذي بدأ من غرفة صغيرة في فيلا حزينة، ظل يضيء طريق كل طفل يدخل المكان... وكأن الحكاية لم تنتهِ، بل بدأت من جديد مع كل حياة تُنقذ في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الدكتورة ليان تراجع ملفات المرضى، دخلت سارة إلى مكتبها وهي تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وقد علاه الغبار.
قالت مبتسمة
عمال النظافة لقوه في مخزن الفيلا القديمة... وكان عليه اسمك.
تعجبت ليان، وفتحت الصندوق ببطء.
وجدت بداخله ألعابها القديمة، والدبدوب الذي كانت تنام بجواره وهي مريضة، ونوتة صغيرة كان والدها
متابعة القراءة