جوزي نسي

موقع أيام نيوز

دخلوا، كريم كان تعبان جدًا، ووشه كله سخام كأنه كان وسط دخان.
حط الصندوق في الصالة، وقعد ياخد نفسه.
أنا بصيت للصندوق.
كان قديم جدًا.
وعليه لوحة نحاس صغيرة مكتوب عليها
مشروع يوم الأمل الدفعة الأولى.
الكلمة دي رجعت تاني.
نفس الاسم اللي كان مكتوب في المفكرة.
بصيت لكريم، ولسه هسأله...
لكن هو سبقني وقال
قبل ما أشرح أي حاجة... افتحي الصندوق.
ركعت قدامه.
كان مقفول بقفل معدني صغير.
كريم طلع مفتاح من سلسلة مفاتيحه، واداهولي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بحط المفتاح.
لفيته ببطء...
وصوت القفل وهو بيفتح ملأ المكان.
رفعت الغطا...
واتسمرت مكاني من اللي شفته جواه.
رفعت عيني بسرعة ناحية كريم...
وهو أول ما شاف رد فعلي، عرف إني فهمت جزءًا من الحقيقة... لكن لسه الجزء الأكبر ما اتقالش فضلت باصة جوه الصندوق وأنا مش مستوعبة.
كان مليان كراسات قديمة، ورسومات أطفال، وخطابات مكتوبة بإيد صغيرة.
كل خطاب عليه اسم طفل وتاريخ مختلف.
مديت إيدي وخدت أول واحد.
فتحته بهدوء.
كان مكتوب فيه
شكرًا يا عمو كريم... أنا أول مرة حد يجيبلي شنطة مدرسة جديدة.
حسيت بغصة في حلقي.
فتحت التاني.
أنا نجحت، وهفضل فاكر إنك وعدتني لو جبت امتياز هتجيبلي عجلة.
والتالت...
ماما بتقول إنك أنقذتنا يوم ما بابا تعب.
رفعت عيني ناحية كريم.
قلت بصوت واطي
إيه كل ده؟
ابتسم ابتسامة هادية، لكن قبل ما يرد، لفت نظري حاجة في آخر الصندوق.
إطار صورة كبير ملفوف بقماش أبيض.
شيلته ببطء.
أول ما كشفت عنه...
لقيت صورة جماعية.
كريم واقف في النص.
وحواليه عشرات الأطفال، وكلهم بيضحكوا.
وخلفهم لافتة كبيرة مكتوب عليها
يوم الأمل السنوي.
قلبت الصورة.
على ضهرها كان مكتوب
أول يوم وعدتنا إنك مش هتسيبنا لوحدنا.
اتنفست ببطء، ولسه هسأله عن الوعد...
لكن موبايله رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
رد بسرعة
أيوه يا أستاذ سامي... حصل إيه؟
سكت يسمع.
وفجأة وقف من مكانه.
قال پصدمة
إيه؟! إزاي اختفى؟
أنا بصيتله بخضة.
قفل المكالمة، وأخد مفاتيحه.
قلت بسرعة
في إيه؟
بصلي لحظة، وكأنه محتار يقول ولا لأ.
ثم قال
واحد من الملفات المهمة مش موجود.
سألته
ملفات إيه؟
هز راسه وقال
كل حاجة هتبوظ لو الملف ده وقع في إيد الشخص الغلط.
وقبل ما أستوعب كلامه...
بص فجأة على الصندوق.
اتغير لون وشه.
وقرب بسرعة، وبدأ يقلب في الكراسات والخطابات بعصبية.
سألته
بتدور على إيه؟
رد وهو بيقلب الصندوق
كان فيه ظرف بني صغير هنا...
قلبي دق پعنف.
افتكرت الظرف اللي وقع من المفكرة تحت السرير.
اللي لحد دلوقتي... ما فتحتهوش اتسمرت مكاني.
الظرف...
أنا كنت شوفته بعيني، لكنه وقع تحت السرير وقت ما كريم دخل الأوضة، وبعد الزحمة والاتصالات نسيناه إحنا الاتنين.
بصيت لكريم، وسألته بهدوء
هو الظرف ده مهم للدرجة؟
رفع عينه ناحيتي لأول مرة من ساعة ما بدأ يدور.
وقال بجدية
أهم مما تتخيلي.
قلبي دق أسرع.
قلت
أنا فاكرة إنه وقع تحت السرير.
وقف كريم فجأة.
متأكدة؟
هزيت راسي.
جرينا سوا على أوضة النوم.
ركع كريم على الأرض، ومد إيده تحت السرير.
ثواني...
طلع الظرف.
بص عليه وكأنه اتطمن إنه لسه مقفول.
تنهد براحة، وقال
الحمد لله.
كنت ھموت من الفضول.
قلت له
هو فيه إيه جواه؟
بصلي، وسكت.
وبعدين قال
كنت ناوي أفتحه معاكي الليلة.
لسه هيفتحه...
لكن جرس الباب رن تاني.
المرة دي الرنة كانت هادية.
كريم بص من عين الباب، واتغيرت ملامحه.
فتح الباب بسرعة.
كان عم حسن... الراجل الكبير اللي شوفته في العمارة.
لكن المرة دي كان واقف على رجليه، ومعاه بنت صغيرة ماسكة إيده.
البنت أول ما شافت كريم، جريت عليه وهي بتضحك.
قالت
عمو كريم... أنا نجحت.
ابتسم كريم، وشالها.
أما عم حسن، فبص ناحيتي وقال
أخيرًا شرفتينا يا بنتي.
استغربت.
إنت تعرفني؟
ابتسم وقال
أعرف عنك من سنين... لكن كريم كان دايمًا يقول لسه الوقت مجاش.
الكلمة دي اتكررت تاني.
لسه الوقت مجاش.
حسيت إن كل الناس حواليا عارفين حاجة وأنا الوحيدة اللي عايشة براها.
وقبل ما حد يتكلم...
البنت الصغيرة شافت الظرف في إيد كريم.
ابتسمت وقالت بعفوية
هو ده اللي فيه المفاجأة الكبيرة؟
بص كريم للبنت
بسرعة، وقال
ششش... لسه.
لكن كان فات الأوان.
البنت
كملت وهي بتضحك
أصل كل الأطفال مستنيين اليوم ده من...
وسكتت فجأة، كأنها افتكرت إنها قالت أكتر مما ينبغي.
ساعتها... أدركت أن الظرف لا يخص كريم وحده، ولا يخصني أنا فقط... بل كان مرتبطًا بشيء ينتظره عشرات الأشخاص، وأن فتحه قد يغيّر حياة الجميع ابتسم كريم، ومسح على رأس البنت الصغيرة، ثم بصلي وقال
خلاص... مبقاش ينفع أخبي أكتر.
فتح الظرف البني بهدوء، وطلع منه ورقة واحدة.
ناولها لي.
كانت شهادة رسمية بتسجيل جمعية يوم الأمل باسم مؤسسيها.
وقفت أقرأ الأسماء...
أول اسم كان كريم محمود.
أما الاسم التاني...
كان باسمي أنا.
رفعت عيني له وأنا مش فاهمة.
ابتسم وقال
من تسع سنين... يوم فرحنا، اتفقنا إن أول ما ربنا يوسع رزقنا، نعمل حاجة تفضل بعدنا وتنفع الناس. إنتِ يمكن نسيتي الجملة دي... لكن أنا عمري ما نسيتها.
حسيت بدموعي بتنزل.
افتكرت فعلًا...
كنا بنتكلم عن أحلامنا، وقلت له وقتها نفسي يبقى لينا أثر حلو في حياة حد.
قال وهو بيكمل
بدأت بمساعدة عم حسن بعد ۏفاة ابنه، وبعدها اتعرفت على أطفال محتاجين دروس وشنط وعلاج. كل سنة كانوا بيزيدوا، لحد ما بقينا أسرة كبيرة.
بصيت على الصور والخطابات.
كل رسالة كانت من طفل أو أسرة ساعدها.
سألته
طيب... ليه مخبيتش عليا؟
تنهد وقال
لأنني كنت عايز أول ما تعرفي، تعرفي وإحنا واقفين على حاجة كاملة، مش مجرد حلم. كنت عايز أفاجئك يوم تسجيل الجمعية رسمي، وأقولك إنها باسمنا إحنا الاتنين.
سكت لحظة، ثم ابتسم
أما الرسالة اللي شوفتيها على الساعة...
طلع موبايله، وفتح المحادثة.
كانت من أحد المدرسين المتطوعين.
ونصها الكامل كان
امبارح كان أحلى يوم للأطفال... أول مرة كلهم يخرجوا مبسوطين بالشكل ده. ربنا يجازيك خير.
الجزء اللي ظهر على الساعة كان أول سطر بس...
أما الباقي، فما ظهرش في الإشعار.
ضحكت وسط دموعي.
كل الشكوك اللي عشتها من الصبح كانت بسبب نصف جملة.
قرب كريم مني، وقال وهو ماسك إيدي
الثقة مش معناها إننا منخبيش المفاجآت... لكنها معناها إننا منخليش الشك يكسر اللي بينا.
بعد أسبوع...
كان افتتاح جمعية يوم الأمل.
عم حسن كان أول الحضور.
والأطفال وقفوا يستقبلونا بالورود والضحك.
وفي نهاية اليوم، علّقوا على الحائط صورة كبيرة لينا إحنا الاتنين، وتحتها عبارة بسيطة
فيه ناس بتسيب فلوس... وناس بتسيب أثر. والأثر هو اللي بيفضل.
تمت.

تم نسخ الرابط