جدتي حكايات ميرا
ضخمة في حديقة المنزل.
كانت الشجرة قد زرعتها الجدة بيديها قبل أكثر من قرن.
عند جذعها...
وجد صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتح الصندوق.
لم يجد ذهبًا.
ولم يجد مجوهرات.
وجد دفترًا واحدًا فقط.
وعلى غلافه كتب
دفتر المعروف.
فتح أول صفحة.
كانت فارغة.
وفي الصفحة الثانية، وجد عبارة قصيرة
كل من يفتح هذا الدفتر... اكتب اسم شخص ساعدته دون أن يعرف أنك السبب.
ثم قلّب الصفحات.
وجد آلاف الأسماء.
كل جيل كتب أسماء من ساعدهم.
أطفال أصبحوا أطباء.
فقراء أصبحوا أصحاب أعمال.
مرضى شفاهم الله.
طلاب أكملوا تعليمهم.
وأسر بدأت حياة جديدة.
لم يكن بينهم اسم واحد كتب صاحبه أنه أخذ شيئًا لنفسه.
كل الصفحات كانت تحكي عن العطاء.
وقف الرجل صامتًا.
ثم أخرج قلمه.
وكتب أول اسم في الصفحة الأخيرة.
وأغلق الدفتر.
وأعاده إلى مكانه.
وهو يبتسم قال
الآن فهمت...
الكنز لم يكن خلف الصورة...
الكنز كان كل إنسان قرر يكمل الطريق.
وفي تلك اللحظة...
مر طفل صغير بجوار الشجرة، وسأل أمه
هو ليه الناس بتحب المكان ده؟
ابتسمت الأم وقالت
لأن فيه ناس ماټت من زمان...
لكن خيرهم لسه عايش لحد النهارده.
واستمرت الحكاية...
ليس لأنها كُتبت في كتاب...
بل لأنها عاشت في أفعال البشر، جيلًا بعد جيل وبعد مرور مئة وخمسين عامًا...
لم يبقَ من البيت القديم إلا جزء صغير، بعدما تقرر ترميمه وتحويله إلى معلم تاريخي.
وأثناء أعمال الترميم...
اصطدمت معول أحد العمال بشيء معدني تحت أرضية الصالون.
توقف الجميع.
أزالوا البلاط القديم بحذر.
فظهرت علبة حديدية صغيرة، غطاها الصدأ.
كانت مغلقة بقفل قديم.
لكن الغريب...
أن مفتاحها كان معلقًا بخيط داخل إطار صورة العائلة، ولم يلاحظه أحد طوال كل تلك السنين.
فتحوا العلبة.
كان بداخلها ظرف واحد فقط.
كتب عليه
لا تفتحوه إلا إذا اختفت الحكاية.
اجتمع المؤرخون وأحفاد العائلة.
وقال أكبرهم سنًا
أظن... جه الوقت.
فتحوا الظرف.
وفي داخله رسالة قصيرة جدًا، بخط الجدة المرتعش.
إذا وصلتم إلى هنا... فهذا يعني أن الناس نسيت أسماءنا. وهذا يسعدني.
لأنني لم أكن أريد أن يتذكروا من كنا... بل أن يتذكروا ما فعلناه.
ثم وجدوا ورقة ثانية.
كانت عبارة عن سؤال واحد فقط
هل ساعدتَ أحدًا اليوم؟
ساد الصمت في القاعة.
لم يتحدث أحد.
لأن السؤال لم يكن موجهًا لشخص بعينه...
بل لكل من قرأه.
وفي نهاية الظرف...
وجدوا بذرة شجرة ملفوفة في قطعة قماش قديمة.
ومكتوب بجوارها
ازرعوها... وكل جيل يجلس في ظلها، يروي للجيل الذي بعده أن الخير لا يُورث بالكلام... بل بالفعل.
خرج الجميع إلى حديقة المنزل.
وحفروا حفرة صغيرة.
وزرعوا البذرة.
وبعد سنوات...
كبرت الشجرة.
وصار الأطفال يجلسون تحتها، يسمعون القصة من جديد.
لكن لم يكن أحد يبدأها بعبارة
كان هناك كنز...
بل كانوا يقولون
كان هناك جدة، وفي لحظة احتاجت فيها إلى من يبقى بجوارها... بقيت حفيدتها وحدها.
ومن تلك اللحظة البسيطة...
وُلدت حكاية استمرت قرونًا.
تمت بعد أن زُرعت الشجرة بسنوات طويلة...
كبرت حتى أصبحت أضخم شجرة في المدينة.
وكان الناس يأتون إليها من أماكن بعيدة، ليس لأنها شجرة نادرة...
بل لأن كل من يجلس تحتها يسمع القصة نفسها.
وفي أحد الأيام، جاءت طفلة صغيرة مع والدها.
سألته وهي تنظر إلى الشجرة
بابا... هو فين الكنز اللي الناس بتحكي عنه؟
ابتسم الأب، وأشار إلى رجل مسن يجلس على مقعد خشبي يوزع الطعام على المحتاجين.
ثم أشار إلى طبيبة تكشف مجانًا على الأطفال.
ثم إلى شاب يساعد رجلًا مسنًا على عبور الطريق.
وقال
شايفة الناس دول؟
هزت الطفلة رأسها.
قال
كل واحد فيهم سمع الحكاية، وقرر يعمل خير. ده هو الكنز.
ابتسمت الطفلة، وأخرجت من حقيبتها قطعة حلوى كانت تحتفظ بها.
اقتربت من طفل فقير يجلس وحده، وأعطته إياها.
ابتسم الطفل، وابتسمت هي أيضًا.
وكان ذلك أول خير تفعله في حياتها.
ابتسم الأب، وقال في نفسه
وهكذا تبدأ كل الحكايات.
وفي تلك اللحظة، هبّت نسمة خفيفة حرّكت أغصان الشجرة.
فسقطت ورقة صفراء قديمة كانت عالقة بين
الفروع منذ سنوات.
التقطها الرجل المسن.
فتحها في دهشة.
كانت مكتوبًا عليها بخط الجدة
إذا وصلت هذه الورقة
إلى أحد... فاعرف أن الرسالة لم تمت بعد.
رفع الرجل الورقة إلى السماء، وابتسم.
ثم طواها بعناية، ووضعها داخل كتاب صغير بعنوان
حكاية بدأت بصورة... وانتهت بقلوب لا تتوقف عن العطاء.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يسأل
أين الخزنة؟
ولا
كم كان الميراث؟
بل أصبح السؤال الوحيد الذي يتردد تحت ظل الشجرة كل مساء
من سيكون صاحب المعروف التالي؟
وهكذا... ظلت الحكاية تُكتب كل يوم، ليس بالحبر، بل بأفعال الناس النهاية
مرت سنوات طويلة، وتعاقبت الأجيال، حتى لم يبقَ أحد ممن شهد بداية الحكاية.
اختفت الخزنة.
وضاعت المفاتيح.
وتهالكت صورة العائلة من أثر الزمن.
لكن شيئًا واحدًا لم يختفِ أبدًا...
الرسالة.
وفي يومٍ ما، وقف طفل صغير أمام الشجرة التي زرعتها الجدة منذ عشرات السنين، وسأل جدته
هو صحيح كان فيه كنز هنا؟
ابتسمت الجدة، وأخذت بيده إلى لوحة حجرية وُضعت بجوار الشجرة.
وكان منقوشًا عليها
هنا بدأت حكاية امرأة لم تترك لأحفادها أغنى ميراث... بل تركت لهم أغلى قيمة أن يبقى الإنسان بجوار من يحتاجه، حتى لو لم يحصل على شيء في المقابل.
نظر الطفل حوله.
رأى المستشفى الذي يعالج الفقراء.
ورأى المدرسة التي تعلم الأطفال مجانًا.
ورأى دارًا للأيتام، ومطبخًا يطعم المحتاجين.
ثم سأل
مين اللي بنى كل ده؟
ابتسمت الجدة وقالت
بنت كانت الوحيدة اللي مسكت إيد جدتها وهي بټموت.
صمت الطفل للحظة، ثم قال
يبقى دي كانت أغنى واحدة في الدنيا.
هزّت الجدة رأسها، وقالت
لأ... كانت أغنى واحدة في القلب.
وفي تلك اللحظة، هبت نسمة خفيفة حرّكت أغصان الشجرة، وكأنها تحمل همسة قديمة جاءت من زمن بعيد...
بعد ما أموت... بصّي ورا صورة العيلة.
ابتسمت الجدة وهي ترفع بصرها إلى السماء، وقالت
بصّينا يا أمي... ولقيْنا إن الكنز عمره ما كان ورا الصورة.
كان الكنز... في الإنسان الذي يختار الرحمة، والوفاء، والخير، حتى عندما لا يراه أحد.
تمت.