جدتي حكايات ميرا
المحتويات
إلى الطفل.
سألته
اسمك إيه؟
قال بثقة
يوسف.
ابتسمت وقالت
تحب تساعدنا بعد المدرسة؟
أضاءت عيناه وقال
أيوه.
ناولته الصورة القديمة.
وقالت
احتفظ بيها يومين... وبعدها رجّعها.
تعجب الطفل وسأل
مش خاېفة تضيع؟
ابتسمت ليلى بنفس الابتسامة التي كانت ترتسم على وجه ندى قديمًا.
وقالت
الصورة لو ضاعت... نقدر نطبع غيرها.
لكن لو اتعلمت معنى اللي فيها...
يبقى الرسالة هتفضل عايشة.
أخذ يوسف الصورة، وخرج ممسكًا بيد أمه.
تابعته ليلى بعينيها حتى اختفى.
ثم همست وهي تنظر إلى السماء
جدتي... ندى... الأمانة لسه بتتنقل.
وفي تلك اللحظة، مر أحد المتطوعين بجوار صورة العائلة القديمة، دون أن يعرف قصتها.
لكنه توقف أمام العبارة المكتوبة أسفلها، وقرأها بصوت هادئ
لا تبحث عن كنز خلف الصورة... كن أنت الكنز الذي يترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
وهكذا انتهت الحكاية...
لكن الرسالة لم تنتهِ أبدًا بعد سبعين عامًا...
أصبح البيت القديم متحفًا صغيرًا، يزوره الناس ليتعرفوا على قصة العائلة التي بدأت منها رحلة الخير.
لكن كانت هناك غرفة واحدة...
لا تُفتح إلا مرة كل عام.
وفي الذكرى السبعين لرحيل الجدة الأولى، اجتمع الأحفاد وأبناء الأحفاد.
وكان أصغرهم فتاة في العاشرة من عمرها تُدعى ريم.
اقتربت من صورة العائلة، ثم سألت أمها
هو ليه الصورة دي أهم حاجة في البيت؟
ابتسم الجميع...
لكن لم يُجب أحد.
تقدمت ليلى، التي تجاوز عمرها التسعين، وأمسكت بيد ريم.
وقالت
تعالي.
دخلتا الغرفة المغلقة.
لم يكن فيها ذهب.
ولا خزائن.
ولا عقود.
كان فيها صندوق زجاجي صغير.
فتحت ليلى الصندوق، وأخرجت منه الورقة الأولى التي كتبتها الجدة منذ عشرات السنين.
كانت حوافها قد اصفرّت من الزمن.
ناولتها لريم.
بدأت الطفلة تقرأ بصوت خاڤت
إذا وصلت هذه الرسالة إلى طفل بعد كل هذه السنين... فأنا سعيدة. لأن الخير لم ينقطع.
رفعت ريم رأسها وقالت
يعني كل اللي حصل بدأ برسالة؟
ابتسمت ليلى وقالت
لا...
بدأ بشخص اختار يفضل جنب إنسان محتاج، من غير ما يستنى مقابل.
سكتت للحظة، ثم أضافت
جدتي ما كانتش أغنى ست في الدنيا...
لكنها كانت أغنى واحدة في القلوب.
وفي تلك اللحظة، شعرت ليلى بإرهاق شديد.
جلست على المقعد الخشبي.
ونظرت إلى صورة ندى المعلقة بجوار صورة الجدة.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
وقالت آخر كلماتها
الأمانة وصلت...
وأغمضت عينيها في سلام.
ساد الصمت.
ثم احتضنت ريم الرسالة، ومسحت دموعها.
وفي صباح اليوم التالي...
علّقت ورقة جديدة خلف صورة العائلة.
لكنها لم تكتب اسمها.
كتبت فقط
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فلا تسأل من كتبها. اسأل نفسك من يحتاجك اليوم أكثر من أي وقت مضى؟ اذهب إليه... فربما تبدأ من يدك حكاية جديدة.
وأعادت الصورة إلى مكانها.
خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب بهدوء.
وفي الخارج...
كانت الحياة تمضي كعادتها.
لكن في مكان ما...
كان طفل جديد، أو حفيد جديد، أو إنسان يمر بأصعب أيامه...
على موعد مع رسالة ستغيّر حياته، كما غيّرت همسة الجدة حياة ندى قبل عشرات السنين.
وهكذا لم تنتهِ الحكاية... لأنها أصبحت حكاية كل إنسان يختار الخير بعد مئة عام...
لم يبقَ أحد من أفراد العائلة الذين بدأت معهم الحكاية.
تغيّرت الوجوه...
وتبدّلت الأسماء...
لكن البيت القديم ظل قائمًا.
وفي صباح يوم ربيعي، وصلت سيارة سوداء أمام المنزل.
نزل منها رجل في الأربعين من عمره، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
طرق الباب.
استقبله أمين المتحف.
قال الرجل
أنا باحث في تاريخ العائلات... وجئت أبحث عن شيء اسمه رسالة الصورة.
ابتسم أمين المتحف وقال
كل الناس بتيجي تدور على الخزنة... محدش بيسأل عن الرسالة.
أجابه الرجل
لأنهم فاكرين إن الكنز كان فلوس.
أخذه أمين المتحف إلى غرفة صغيرة.
وأشار إلى الصورة القديمة التي ما زالت معلقة في مكانها.
وقال
اتفضل.
اقترب الرجل من الصورة.
ولمس إطارها بحذر.
وفجأة...
لاحظ شيئًا لم يره أحد من قبل.
كان في الإطار نفسه تجويف صغير جدًا.
فتح التجويف.
فوجد مفتاحًا نحاسيًا لم يُستخدم قط.
وتحته ورقة صغيرة كتب عليها
آخر سر... ليس للعائلة، بل لكل من يؤمن بالخير.
ارتجفت يده.
تبع الخريطة المرسومة على الورقة حتى وصل إلى شجرة
متابعة القراءة