جدتي حكايات ميرا

موقع أيام نيوز

بينما كانت جدتي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لم يزرها أبي ولا أمي ولا أختي ولو مرة واحدة. كنت أنا الوحيدة التي أمسكت بيدها عندما همست لي بعد ما أموت... بصّي ورا صورة العيلة اللي في الصالون. في جنازتها سخروا مني لأنني لم أرث شيئًا في الوصية. لكن في تلك الليلة، عندما رفعت الصورة، وجدت خزنة مخفية مليئة بعقود أملاك، وكشوف حسابات بنكية، ورسالة مختومة... تحتوي على دليل قادر على ټدمير كل شيء.
ماټت جدتي وأنا أمسك بيدها، بينما لم يكن أي فرد من عائلتنا موجودًا بجوارها.
وكان آخر ما نطقت به سبع كلمات غيّرت حياتي كلها
بصّي ورا صورة العيلة... بعد ما أموت.
لمدة ستة أشهر كاملة، كنت أطعمها، وأغيّر لها ملاءات السرير، وأصطحبها إلى مواعيد الأطباء، وأنام على كرسي بجوار سريرها كلما اشتد عليها الألم.
أما أبي...
فزارها مرة واحدة فقط.
إحدى عشرة دقيقة لا أكثر.
وجاء ليسألها إن كانت قد عدّلت وصيتها.
أما أمي فأرسلت باقة ورد، ولم تنسَ أن تترك عليها بطاقة السعر.
وأختي الصغرى سارة...
لم تأتِ إطلاقًا.
كانت تقول عبر الهاتف
هي أصلًا مبقتش تعرف حد... أضيّع وقتي ليه؟
لكن جدتي...
كانت تعرف الجميع.
في يوم الچنازة، ارتدى أبي وأمي ملابس سوداء فاخرة، وأدّيا دور الحزن بإتقان وكأنهما ممثلان ينتظران جائزة.
أما سارة...
فلم تبكِ إلا عندما كانت تشعر أن الناس ينظرون إليها.
بعد انتهاء العزاء، اجتمعنا في منزل جدتي القديم، بينما بدأ المحامي الأستاذ محمود الشناوي في قراءة الوصية.
انتقل المنزل إلى أبي.
وحصلت أمي على جميع حسابات الاستثمار.
أما مجوهرات جدتي...
فذهبت إلى سارة.
ابتسمت أختي وهي تنظر إليّ وقالت
وأنا؟ أقصد... ندى هتاخد إيه؟
رفع المحامي نظارته وقال
صندوق موسيقى خشبي من خشب الأرز... وكل ما بداخله.
اڼفجرت سارة ضاحكة.
يعني فضلتي تخدميها ست شهور... وفي الآخر ورثتِ لعبة أطفال؟
وضعت أمي يدها على معصمي متصنعة التعاطف وقالت
جدتك كانت عارفة مين اللي يقدر يدير الممتلكات الحقيقية.
أما أبي فاتكأ على المقعد وقال ببرود
تقدري تاخدي حاجتك الليلة... إحنا هنعرض البيت للبيع الأسبوع ده.
نظرت إليهم جميعًا...
ولم أقل كلمة.
ظنوا أن صمتي يعني الهزيمة.
لكنهم لم يكونوا يعرفون أنني أعمل محاسبة جنائية لدى إحدى الجهات الكبرى.
كان عملي اليومي يعتمد على تتبع التحويلات المالية المخفية، والشركات الوهمية، والتصاريح المزورة، والأموال التي تُخفى داخل هدايا عائلية مزيفة.
وخلال مرض جدتي...
كانت تسألني باستمرار عن الصناديق الائتمانية، وعقود الملكية، وجرائم الاحتيال المالي.
كنت أعتقد أنها تحاول حماية نفسها.
لكنني أدركت الآن...
أنها كانت تُعدّني لما هو قادم.
في تلك الليلة، وبعد أن غادرت عائلتي للاحتفال بالميراث، عدت وحدي إلى المنزل المظلم.
في منتصف غرفة المعيشة كانت معلقة صورة العائلة الكبيرة.
جدي وجدتي...
أبي وأمي...
وسارة...
وأنا، في الثانية عشرة من عمري، أقف على طرف الصورة.
أنزلت الإطار عن الحائط.
وخلفه مباشرة...
كانت توجد خزنة حديدية.
فتحتها.
وجدت بداخلها عقود ملكية لعقارات، وكشوف حسابات بنكية، ونسخًا من شيكات ملغاة، وثلاث وحدات تخزين صغيرة، ورسالة مختومة باسمي، بخط يد جدتي المرتعش.
فتحت الرسالة.
وكان أول سطر فيها يقول
يا ندى... كل اللي فاكرين إنهم ورثوه... كان أصلًا مسروق.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا في اللحظات الأخيرة من عمر جدتي، لم يكن بجوارها سوى أنا.
أبي لم يزرها إلا مرة واحدة طوال شهور مرضها، وأمي كانت تكتفي بالاتصال من حين لآخر، وأختي سارة كانت تؤجل زيارتها دائمًا بحجة انشغالها.
أما أنا...
فكنت أعيش معها.
أطعمها، وأساعدها على تناول دوائها، وأجلس بجوارها كل ليلة حتى تغفو.
وفي صباح هادئ، أمسكت يدي بقوة وهمست بصوت متقطع
بعد ما أموت... بصّي ورا صورة العيلة اللي في الصالون.
ثم أغمضت عينيها إلى الأبد.
انتهت مراسم الچنازة، واجتمعنا في منزلها لسماع الوصية.
قرأ المحامي

تم نسخ الرابط