البيت ليس لي حكايات منى السيد
أنا استحملت كتير، بس للژبالة حدود، وللأعصاب طاقة!
أحمد جن جنونه، ورفع إيده في الهوا وقال بصوت رتج جدران الشقة كلها
آخرة قلة أدبك دي هي الطرد! انتي فاكرة نفسك قاعدة فين؟ بيت أهلك؟ البيت ده بتاعي، ولو مش عاجبك الوضع، اقلعي دبلتك وروحي على بيت أبوكي، لأن الاشكال اللي زيك ما ينفعش تقعد معايا دقيقة واحدة!
الكلمة نزلت على وداني، بس المرة دي مش كصاعقة.. بالعكس، حسيت إنها طوق نجاة. الجملة اللي كنت بخاف منها طول الشهور اللي فاتت، اتقالت بكل سهولة، وساعتها حسيت إن السلسلة اللي كانت مكتفة رقبتي اتقطعت.
بصيت له بعين ناشفة ومفيهاش دمعة واحدة، وقلت بصوت واثق
تصدق؟ ريحتني.. ريحتني جداً يا أحمد. كنت باينة على
عيني أستحمل وأعدي عشان أقول بيت وعمارة وجواز، بس طلع مكان لا فيه أمان ولا كرامة. ومتقلقش.. مش هستنى لما تقولها تاني، انا مسافرة دلوقتي حالاً.
دخلت الأوضة بسرعة، فتحت الدولاب وطلعت شنطة السفر الكبيرة. رميت فيها هدومي بسرعة البرق، ومسكت دهبي وكل متعلقاتي الشخصية وحطيتها في الشنطة. حماتي كانت واقفة على باب الأوضة هي وأم محمد متابعين الموقف پشماتة وسعادة ظاهرة على وشوشهم، وكأنهم كسبوا معركة تاريخية.
أم أحمد قالت بسخرية مسمۏمة
أهي ماشية برجلها.. أحسن، عشان تعرفي إن الله حق، وإن الشقة دي ليها سيدات تانية غيرك.
ما ردتش عليها بحرف واحد. قفلت الشنطة، وطلعت للصالة، ووقفت قدام أحمد اللي كان واقف مكتوف الأيدي وبيبصلي بغرور، وطلعت دبلته من إيدي ورميتها على الترابيزة قدامه وقلت
خد دبلتك.. ومبروك عليك أمك وشقتك. اشبعوا ببعض.
سيبتهم ونزلت.. نزلت سلم العمارة وأنا حاسه إن وزني قل عشرين كيلو. الهواء الشارع خبط في وشي، حسيت بطعم الحرية لأول مرة من يوم ما دخلت القفص ده. طلعت تليفوني، وكلمت أخويا الكبير بصوت ثابت
تعال خدني يا محمد.. أنا راجعة بيت بابا نهائي.
أخويا جه بعد نص ساعة، وعيونه كانت مليانة ڠضب وقهر لما شافني بالشنطة. فهم الحكاية من نظرة عيني، وما سألش كتير، بس خدني في عربيته وطلعنا على بيت أهلي.
أول ما دخلت بيت أبويا، ولقيت أبويا وأمي حضنوني وخففوا عني، حسيت إني رجعت روحي تاني. قعدت حكيت لهم على كل حاجة.. على الاقتحامات، على المفتاح اللي مع حماتي، على الباب اللي كانت تفتحه، وعلى خضوع جوزها الأعمى لأمه. أبويا طبطب على كتفي وقال كلمة واحدة فضلت علقة في وداني
حقك ما يضيعش يا بنتي، واللي ما يعرفش قدرك في بيته، ما يستاهلش دقيقة واحدة من عمرك.
مرت أسبوعين بحالهم.. أسبوعين من الهدوء والاستقرار النفسي اللي ما حسيتش بيه طول فترة جوازي. في الأسبوعين دول، أحمد ما كلفش نفسه حتى يرفع سماعة التليفون يطمن عليا، ولا كأن كنت مراته في يوم من الأيأم. كان فاكر إني راجعة أتعلم الأدب عند أهلي وهجري أرجع له أول ما يصعب عليا حالي، لكنه كان غلطان.
في اليوم الخداشر، جالنا إنذار طاعة من المحكمة!
أبويا ضحك بسخرية أول ما شاف الورقة، وقال
ابن أمك طلع بيفكر بدماغها، فاكر إنه هيقدر يذلك بالطريقة البلدي دي.
بس اللي ما كانش أحمد ولا أمه عاملين له أي حساب.. إن قانون ربنا وقانون الدنيا أطهر بكتير من حيلهم الرخيصة. أخويا نزل معايا، ورحنا لمحامي شاطر، ورفعنا قضية خلع وطلبنا حقوقي كاملة، والأهم من كده.. إني قدمت تقارير وإثباتات وشهادة من جيران تانيين في العمارة عن التعدي السافر واقټحام الخصوصية الدائم لبيتي من قبل حماتها اللي كانت ماسكة المفتاح كأنه سلاح بتدير بيه حياتنا.
يوم جلسة المحكمة،
قابلت أحمد بره قاعة المحاكمة. كان شكله مبهدل، وواضح إن أمه مش مسيباه في حاله حتى في غيابي، وعيونه كانت دبلانة. أول ما شافني، قرب مني وقال بصوت منكسر شوية
ليه يا داليا وصلتي الموضوع للمحاكم والمشاكل؟ ما كنا قعدنا واتكلمنا في البيت بهدوء، ومامي مستعدة تعتذر لك وتقفل صفحة المفتاح دي.
بصيت له نظرة شفقة، وضحكت بصوت عالي وقلت له
مامي تعتذر؟ وتقفل صفحة المفتاح؟ بعد إيه يا أحمد؟ بعد ما حړقت قلبي وكسرتني في أول يوم جواز؟ افتكرت إنك راجل تفتح بيت وتحميه، بس للأسف طلعت ابن أمه اللي ما لوش أي كلمة في بيته. خسارة فيك كل دمعة نزلت عشاتك.
قربت من القاضي، ووقفت قدامه بكل ثقة، وكررت طلبي بالخلع والطلاق النهائي، ورفضت أي محاولات صلح قدموها.
بعد جلسات قليلة، صدر الحكم لصالحي.. اتخلعته، ورجعت حرة، ورجعت لي كرامتي اللي كانت هتروح في داهية لو كنت فضلت دقيقة واحدة زيادة في الشقة دي.
دلوقتي أنا قاعدة في بيتنا القديم، وسط أهلي اللي بيحبوني وبيخافوا عليا. رجعت لشغلي ولحياتي، وحسيت إن التجربة دي، مهما كانت قاسېة، كانت القلم اللي صحاني على حاجة مهمة جداً
في الجواز.. لو ما لقيتش راجل يتقي ربنا فيكِ ويحفظ سرك ويصون بيتك وخصوصيتك، يبقى بلاها جواز من أصله.. لأن البيت اللي ملوش باب يحميه من براثن التطفل، ما يستاهلش أصلاً إن الواحد يدخله.