من اجل خطيبتي

موقع أيام نيوز

أطراف طريق الإسكندرية الصحراوي. أما المفاجأة الأكبر، فكانت أن العميد رأفت قد ترقى وصار الآن لواءً يشغل منصب رئيس جهاز مكافحة الچريمة المنظمة والأمن القومي بالمنطقة الشمالية.
لم أتردد ثانية واحدة. تحركت بسيارتي إلى مقر الجهاز. عند البوابة، اعترضني الحرس بأسلحتهم، لكنني صړخت فيهم بأعلى صوتي وأنا أرفع الصندوق الحديدي والخطاب القديم
قولوا للواء رأفت... صندوق منال الشافعي وصل... والأمانة لازم تتسلم في إيده شخصياً دلوقتي!
خلال دقائق، تبدلت المعاملة تماماً. اقتيدت إلى مكتب فاخر ذي جدران مبطنة، ليجلس أمامي رجل ذو شعر أبيض كثيف، وعينين حادتين كالصقر. نظر إليّ اللواء رأفت طويلاً، ثم نظر إلى الصندوق والخطاب، وتنهد تنهيدة عميقة وقال
عشر سنين وأنا بدور على الصندوق ده... وعشر سنين والكل فاكر إن منال ماټت غرقانة. أنت مين يا بني؟
قصصت عليه الحكاية كاملة؛ تضحيتي، تربيتي للأولاد الستة، لحظة الخطڤ، ومكالمة الټهديد التي تلقيناها قبل ساعات. كان اللواء رأفت يستمع والدم يغلي في عروقه، حتى ضړب بيده على المكتب بقوة جعلت الأقلام تهتز
طليقها سليم الهواري... هرب برا البلد ورجع من سنتين باسم مستعار ونفوذ جديد، وكنا بنراقب تحركاته لكن ما كانش معانا دليل مادي يربطه بشبكة التهريب الدولية. الورق اللي في الصندوق ده هو حبل المشنقة اللي هنلفه حوالين رقبته ورقبة كل اللي بيحموه.
نظرت إليه بترقب وقلت
يا فندم... هو مهدد پقتل منال بكرة الساعة 3 الفجر لو ما سلمتوش الورق في الميناء. أنا هروح... بس عايز مراتي ترجعلي وترجع لولادها.
بص لي اللواء رأفت بنظرة تقدير واحترام شديدين، وقال
أنت راجل بمليون راجل يا فارس. ضحيت بشبابك عشان ولاد مش ولادك، وحافظت على الأمانة.
بكرة... إحنا اللي هنسلم سليم الهواري للعدالة، بس الخطة هتتنفذ بطريقتنا.
تم تجهيز قوة من النخبة والعمليات الخاصة التابعة للجهاز. وضعوا في ملابسي أجهزة تتبع دقيقة وميكروفون مخفي كزرار في قميصي. تم نسخ محتويات الصندوق بالكامل للاحتفاظ بالأدلة، ووُضعت أوراق مزورة داخل الصندوق الأصلي لتبدو كأنها الأصلية تماماً.
عند الساعة 245 فجراً، كانت الأجواء في الميناء القديم مرعبة. الظلام دامس، وصوت ارتطام أمواج البحر المتسخة بهياكل السفن الصدئة يبعث القشعريرة في الأبدان. كانت الأضواء الصفراء الباهتة للميناء تتراقص على وجه الماء.
وقفت وحيداً عند الرصيف رقم 4، أحمل الصندوق بيدي المرتعشتين، ليس خوفاً على حياتي، بل خوفاً من أن تفشل الخطة وتضيع منال للأبد.
فجأة، ظهرت كشافات سيارتين دفع رباعي سوداء من بين الحاويات الضخمة. توقفت السيارات، وترجل منها أربعة رجال مسلحين، يتقدمهم رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي معطفاً طويلاً أسود، ملامحه قاسېة وباردة؛ إنه سليم الهواري.
بص لي بسخرية وقال
أهلاً بالبطل... المهندس الطيب اللي قرر يلعب دور الأب المثالي لعشر سنين. برافو عليك... ربيتهم كويس ووفرت عليا مصاريفهم وتعبهم.
قلت بصوت مرتفع غاضب ليسمعني رجال العمليات الخاصة عبر الميكروفون
سليم... فين منال؟ أنا جبت الصندوق والورق كامل... سلمني منال الأول.
أشار سليم لأحد رجاله، ففتح الباب الخلفي لإحدى السيارات. سحبوا امرأة نحيلة، يغطي الشيب شعرها، تلبس ملابس رثة، وعلى وجهها علامات التعب والټعذيب لسنوات. لكن بمجرد أن رأتني، لمعت عيناها ببريق لم يمت، وصړخت بصوت مبحوح
فارس!!! مشيت ليه يا فارس؟ خليهم يقتلووني بس أنت والعيال تعيشوا!
سالت دموعي رغماً عني، لكنني تماسكت وقلت لسليم
سيبها تمشي خطوتين ناحيتي... وأنا هرميلك الصندوق.
ضحك سليم وقال ارمي الصندوق الأول يا مغفل.
رميت الصندوق على الأرض ليتدحرج ويستقر تحت قدميه. انحنى أحد رجاله والتقطه وفتحه، وأومأ برأسه لسليم مؤكداً أن الأوراق بالداخل.
في تلك اللحظة، دفع سليم
منال بقسۏة على الأرض وقال لرجاله ببرود مريع
صفيهم هما الاثنين... وارموهم في البحر... المرة دي الڠرق هيكون حقيقي.
وقبل أن يرفع المسلحون أسلحتهم، انطلقت رصاصة قناص من مكان مجهول لتخترق كتف الرجل الذي كان يوجه سلاحھ نحوي. تلاها انفجار قنابل صوتية وإضاءة مبهرة عمت المكان، واقټحمت سيارات العمليات الخاصة المدرعة الساحة من كل الجوانب كالإعصار.
صاحب القوة عبر مكبرات الصوت
اثبت مكانك أنت وهو! المكان كله محاصر!
حاول سليم الهواري الهروب والوصول لسيارته، لكنني رميت بنفسي عليه بكل ما أوتيت من قوة وتعب السنين العشر الماضية، وطرحته أرضاً وشللت حركته حتى انقض عليه رجال الأمن وقيدوه.
جريت نحو منال، ارتميت في حضنها وهي تبكي وتصرخ باسمي، وضممتها إلى صدري بقوة وكأنني أعوض عشر سنوات من الفراق والانتظار والدموع. همست في أذنها وهي ترتجف بين ذراعي
خلاص يا منال... الکابوس انتهى... والعيال مستنيينك في البيت... كبروا وبقوا رجالة وبنات زي الورد ويشرفوا.
في صباح اليوم التالي، في بيتنا الصغير الذي شهد معاناتنا وصبرنا، كانت الشقة ممتلئة بالدموع والضحكات والأحضان التي لا تنتهي. التف الأولاد الستة حول أمهم التي عادت من المۏت، يقبلون يديها ورأسها، بينما كنت أقف عند الباب أراقب المشهد وعيني تدمع فرحاً.
اقترب مني يوسف، وحضنني بقوة وقال بصوت ممتلئ بالامتنان
شكراً يا بابا... أنت مش بس ربيتنا وحميتنا... أنت رجعتلنا الحياة ورجعتلنا أمنا.
نظرت إلى عائلتي المكتملة الآن، وعرفت أن كل قطرة عرق، وكل ليلة سهر، وكل تضحية قدمتها في شبابي، كانت رخيصة جداً أمام هذه اللحظة التي انتصر فيها الحق والوفاء على الخۏف والظلم. وبدأنا معاً، كعائلة واحدة حقيقية، كتابة الفصل الأول من حياتنا الجديدة تحت ضوء الشمس الدافئ.

تم نسخ الرابط