من اجل خطيبتي
المحتويات
ھنموت إخواتك كلهم دلوقتي قدامك، وهنقتل الراجل الطيب اللي رايح يجيب الأكل. أمي بصتلي وهي بټعيط وقالتلي بهمس سريع اسكت يا يوسف... حافظ على إخواتك وخلي بالك من فارس... فارس هو اللي هيحميكم. أخدوها ومشيوا بسرعة وركبوها عربية سودا كانت واقفة على الطريق السريع ورا الشاطئ، وأنا وقفت مكاني مشلۏل من الړعب، خاېف أتكلم تقتلونا وتقتل إخواتي، ولما رجعت أنت وسألتني، الخۏف جمد لساني واكتفيت بالصمت.
وقفت على رجلي وأنا مش مصدق، الدموع غطت عيني وصدمتي كانت فوق أي احتمال، عشر سنين وأنا عايش على وهم الڠرق، عشر سنين ومنال عايشة أو مېتة في مكان تاني بسبب مجرمين! سألته بصوت مخڼوق وليه بتقولي الكلام ده دلوقتي يا يوسف؟ بعد عشر سنين كاملة؟ يوسف مد إيده في جيبه وطلع مفتاح صغير صدئ وقالي لأن من أسبوع بس، وأنا بنظف الكتب القديمة بتاعة أمي اللي شلتها في الكرتونة اللي في السندرة، لقيت جواب مخفي ورا غلاف كتاب الرواية اللي كانت بتقراه على الشاطئ، جواب كانت كاتباه ليك وسايباه في البيت تحسبًا لليوم اللي هيحصل فيه ده، ومعاه المفتاح ده لصندوق حديدي مدفون في شقتنا القديمة اللي كنا مأجرينها زمان. الجواب بيقول إن جوزها الأولاني سجنها في مكان مهجور برة البلد، لكنها كتبت إنها لو غابت، لازم يوسف يطمن إنك فضلت معانا ومستحيل تسيبنا قبل ما يسلمك السر ده... وهي كانت واثقة إنك مش ه تتخلى عننا. أخدت الجواب والمفتاح وإيدي بتترعش، وفتحت الجواب لأقرأ خط يدها الدافئ الذي أعاد إليّ روحًا ظننتها تلاشت، وكانت كلماتها واضحة فارس، حبيبي الوحيد، لو بتقرأ الكلام ده فمعناه إني مش موجودة، وإني اضطررت للتضحية بنفسي عشان تعيش أنت والأولاد في سلام. الصندوق اللي مع يوسف مفتاحه فيه مستندات تدين طليقي بالكامل وتهد إمبراطوريته، سلمها للجهة السيادية اللي مكتوب اسمها في الورق، هما بس اللي هيقدروا يحموا أولادي ويجيبوا حقي... أنا أسفة إني دخلتك في حياتي المليانة ضلمة، بس كنت عارفة إنك النور الوحيد.
حضنت يوسف بقوة وبكينا سوا بكاء طال كبته لعشر سنوات كاملة، بكاء غسل كل التعب والمرارة، وعرفت في اللحظة دي إن تضحيتي بالسنوات العشر الماضية لم تكن عبثًا، بل كانت أعظم معركة خضتها في حياتي؛ معركة حماية ستة أرواح بريئة صاروا الآن درعي وسندي في الحياة. قررت من تلك اللحظة ألا أهدأ حتى أفتح ذلك الصندوق، وأسلم المستندات للعدالة، وأبحث عن منال أينما كانت، لأثبت لها وللأبد أن الحب الصادق لا تمحوه السنين، ولا تكسره قوى الشړ، وأننا سنظل عائلة واحدة، يربطنا عهد قطعناه پالدم والدموع والوفاء المطلق.
لم يكن الصندوق الحديدي مجرد قطعة من المعدن الصدئ، بل كان بوابةً إلى جحيمٍ مررنا بجواره لعشر سنوات دون أن ندري.
في تلك الليلة، لم ينم أحد في بيتنا الصغير. كان الأطفال الآخرون الذين كبروا الآن وصاروا شباناً وشابات ملأوا البيت بحركتهم يشعرون أن هناك زلزالاً صامتاً يضرب غرفتهم، لكنهم احترموا نظراتي ونظرات يوسف الواجمة، وظلوا يراقبوننا من بعيد بنظرات قلقة طالما عهدتها فيهم منذ طفولتهم.
أخذت يوسف في سيارتي المستعملة التي اشتريتها بالتقسيط قبل عامين، وانطلقنا تحت جنح الظلام إلى حينا القديم. كانت الشوارع هادئة، يلفها ضباب خفيف ورطوبة خانقة. وصلنا إلى البناية القديمة التي كنا نقطنها قبل عشر سنوات. الشقة في الطابق الأرضي كانت مهجورة ومغلقة منذ رحيلنا عنها، فمالكها القديم ټوفي وظلت متنازعاً عليها بين الورثة.
تسللنا عبر
متابعة القراءة