من اجل خطيبتي

موقع أيام نيوز

آخر مرة شفتها فيها... كنت راجع شايل 3 أكواب عصير ليمون وكيس بطاطس كان برد وخلاص فقد طعمه، والغريب إن دي أكتر لحظة فاكرها بكل تفاصيلها الدقيقة؛ شكل الموج وهو بيضرب في الصخر، ريحة اليود المختلطة برائحة الفشار المقلي، والضحكة البعيدة للأولاد الستة اللي كانوا بيجروا ورا بعض على الرملة الناعمة. كنا واخدين أولادها البحر، آخر فسحة قبل الدراسة ما تبدأ بأيام قليلة، ووقتها لسه ماكناش اتجوزنا، كنا مجرد اتنين مخطوبين بيحاولوا يبنوا جسر من الأمان فوق أنقاض ماضٍ قاسې، لكن بالنسبة لي، ومن أول يوم شفتهم فيه، كانوا بقوا ولادي اللي ما خلفتهمش. الولد الكبير، يوسف، كان عنده تسع سنين بس، وكان دايمًا يبصلي بنظرة غريبة مش بتاعة سنه، نظرة حذرة مليانة تساؤلات، كأنه مستني يشوف الراجل ده هيفضل معانا بجد ويتحملنا... ولا هيهرب ويسيبنا زي كل اللي قبله؟ وقت الضهر، الشمس كانت حامية جدًا، منال بصتلي وابتسمت ابتسامتها الهادية الدافية اللي بتنسيني الدنيا وقالت أنا هفضل مع العيال هنا تحت الشمسية... روح أنت هات الأكل قبل الزحمة ما تزيد عند الكشك. روحت كشك الأكل اللي عند آخر الممشى، المشوار ما أخدش مني أكتر من 12 دقيقة بالظبط، كنت بحاسب بسرعة وعيني على الممر الطويل، ورجعت وأنا مستعجل عشان نلحق ناكل سوا. رجعت... لقيت الأولاد الستة لسه بيلعبوا في الرمل، بيحفروا خندق صغير وبيضحكوا بصوت عالي، الفوطة بتاعتها الملونة كانت في مكانها على الكرسي الخشب، والنضارة الشمسية جنب صندوق التبريد الصغير، وحتى الرواية اللي كانت بتقراها مفتوحة على الصفحة رقم 114 ومتحركتش من مكانها... بس هي... اختفت تمامًا كأن الأرض انشقت وبلعتها في ثانية واحدة.
في الأول، افتكرتها نزلت المية تعوم أو راحت تشتري حاجة تانية للأولاد، لكن لما لفيت عيني في كل مكان وملمحتش أثرها، قلبي انقبض فجأة وحسيت بړعب غريب بيسري في عمودي الفقري. لمحت يوسف، ابنها الكبير، واقف عند أول خط المية، جسمه كله كان بيترعش، وشه كان أصفر زي الليمونة، واقف متجمد ومش قادر يتحرك خطوة واحدة وكأنه شاف شيطان. جريت عليه، مسكت كتفه وهزيته براحة وسألته بنبرة قلقانة يوسف... مامتك فين؟ راحت فين يا حبيبي؟ ما ردش عليا ولا بكلمة واحدة، بس عينه كانت بتبص في الفراغ، شفايفه كانت بتتحرك من غير ما تطلع أي صوت، وصوابع إيده الصغيرة كانت بتعصر شورت البحر بتاعه بړعب. قبل غروب الشمس، الشاطئ كله كان مقلوب، المنقذين، والناس اللي بتصيف، وإدارة القرية السياحية، والشرطة اللي وصلت بعد بلاغي، الكل كان بيدور عليها في كل شبر، الغواصين نزلوا المية بمركب صغيرة وكشافات قوية مع تراجع الضوء، وقبل نص الليل، المحقق قعد معايا وقال بنبرة خالية من المشاعر إن الأغلب إنها غرقيت بسبب سحب المية المفاجئ في المنطقة دي، وإن الچثة ممكن تاخد أيام عشان تظهر... لكن الأيام بقت أسابيع، والأسابيع بقت شهور، وجثتها عمرها ما اتلاقت ولا ظهر لها أي أثر على أي شاطئ.
كان ممكن بكل بساطة أمشي وأكمل حياتي، وأكيد ناس كتير من أهلي وأصحابي كانوا متوقعين مني أعمل كده ويقنعوني إن دي مش مسؤوليتي؛ ساعتها كان عندي 29 سنة بس، في عز شبابي وبداية طريقي المهني، ولسه ماكنتش جوزها رسمي، وماكانش فيه أي ورقة أو قانون أو صلة ډم تربطني بالأولاد الستة دول. لكن لما رجعت بيهم البيت ليلة الحاډثة، وشفتهم نايمين جنب بعض في الصالة من الخۏف،

تم نسخ الرابط