كانت بنتي بقلم زيزي احمد
وبصلي.
وقال
في حد اقتحم بيت هبة القديم... واللي اقتحمه سأل عن صندوق خشب صغير باسمها.
اتجمدت.
لأن هبة فعلًا كان عندها صندوق خشبي صغير...
وكانت تمنع أي حد يفتحه حتى أنا.
لكن بعد ۏفاتها...
افتكرت إني دورت عليه أيام العزاء...
وملقتوش أبدًا.
ساعتها بدأت أحس إن كل الخيوط بتتقاطع حول شيء واحد...
صندوق اختفى، وظرف سُرق، وملف أزرق بيظهر في كل مكان... وشخص مستعد ېهدد طفلة صغيرة حتى يفضل كل ده مدفون أول ما سمعت كلمة الصندوق الخشبي، حسيت إن في حاجة ضړبتني في صدري.
افتكرت موقف قديم.
قبل ۏفاة هبة بشهر تقريبًا، كنا قاعدين في البلكونة بعد ما ليلى نامت.
كانت ماسكة الصندوق الخشبي في حضنها، وبتقلب فيه بهدوء.
لما سألتها
إيه ده؟
ابتسمت وقالت
حاجات مهمة... لو ضاعت، ناس كتير هتتغير حياتها.
وقتها ضحكت، وافتكرتها بتهزر.
لكن دلوقتي...
كل كلمة قالتها بقت معناها مختلف.
الظابط طلب عنوان بيت هبة القديم.
ركبنا كلنا العربية، وأنا سايب ليلى مع جارتي أم خالد بعد ما وعدتها إني هرجع بسرعة.
طول الطريق، ريهام كانت ساكتة.
وأبويا كان بيبص من الشباك من غير ما ينطق.
وصلنا.
باب الشقة كان مخلوع.
الأدراج متقلبة.
الدولاب مكسور.
واضح إن اللي دخل كان بيدور على حاجة محددة، مش بيسرق.
الظابط لف في الشقة وقال
اللي عمل كده عارف المكان كويس.
دخلت أوضة النوم.
وقفت قدام الدولاب.
وفجأة لاحظت إن المراية مش راكبة صح.
قربت منها.
حركتها بإيدي.
لقيت وراها تجويف صغير في الحيطة.
مديت إيدي جواه.
طلعت ظرف بلاستيك مقفول بإحكام.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحته...
لقيت مفتاح نحاس قديم.
ومعاه ورقة صغيرة بخط هبة.
مكتوب فيها
لو وصلت للمفتاح... يبقى الصندوق لسه في مكانه. أوعى تروح له لوحدك.
الظابط أخد الورقة، ولسه هيسألني...
سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة.
كلنا اتلفتنا.
الظابط أشارلنا نسكت.
قرب من الباب بهدوء.
مين؟
مافيش رد.
بعد ثواني...
اتكرر الخبط.
أقوى.
فتح الباب بسرعة...
لكن الممر كان فاضي.
مافيش حد.
بس كان في ظرف أبيض مرمي على الأرض.
أخده.
فتحناه.
كان جواه صورة جديدة.
الصورة دي اتصورت النهارده.
أنا والظابط وأبويا... وإحنا داخلين العمارة من خمس دقايق.
اتصورت من بعيد.
يعني...
حد كان بيراقبنا لحد باب الشقة.
وقبل ما نستوعب الصدمة، لقينا على ضهر الصورة جملة واحدة
المفتاح معاكم... لكن الصندوق مش هتوصلوله قبل ما أوصلكم.
بصيت للظابط.
لقيته لأول مرة بيطلع سلاحھ.
وقال بصوت حازم
من اللحظة دي... الموضوع بقى أخطر مما كنا متخيلين.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتفي.
كان رقم جارتي أم خالد.
رديت بسرعة.
لكن أول ما سمعت صوتها...
اتجمد الډم في عروقي.
قالت وهي بتصرخ
يا أحمد... ليلى مش موجودة!وقعت المفاتيح من إيدي.
إيه يعني مش موجودة؟!
صوت أم خالد كان متقطع من العياط.
كنت في المطبخ بدقيقتين... رجعت ملقتهاش. باب الشقة كان موارب.
من غير ما أفكر، جريت على السلم.
الظابط جري ورايا، وأبويا وريهام نزلوا معانا.
طول الطريق كنت بدعي في سري
يا رب... احفظها.
وصلنا العمارة في وقت قياسي.
لقيت الجيران كلهم واقفين قدام باب شقة أم خالد.
دخلت أجري.
كل الأوض كانت مفتوحة.
الدبدوب بتاع ليلى مرمي على الأرض.
لكن...
جزمتها الصغيرة كانت لسه جنب الكنبة.
يعني ما خرجتش بإرادتها.
الظابط بدأ يعاين المكان بسرعة.
وفجأة نادى عليّ.
أحمد... تعالى.
على ترابيزة السفرة كان فيه ظرف صغير.
مكتوب عليه
لأبو ليلى.
فتحته بإيدين مرتعشتين.
كان جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو كنا عايزين نأذيها... ماكنتش هتقرأ الرسالة دي. قدامك ساعة واحدة تنفذ اللي هنقولك عليه.
قلبي كان بيدق پعنف.
كملت قراءة.
هات المفتاح النحاسي لوحدك، الساعة عشرة مساءً، عند المخزن القديم على طريق المزرعة. ولو جبت الشرطة... هترجعلك لعبة ليلى، مش ليلى.
ريهام اڼهارت على الأرض وهي بټعيط.
وأبويا سند على الحيطة كأنه مش قادر يقف.
أما الظابط...
فأخد الورقة، وبصلي وقال
واضح إنهم كانوا مستنيينك تلاقي المفتاح.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قال
يعني من أول يوم... حد كان بيسوقك خطوة بخطوة لحد ما توصل للمفتاح. وكل اللي حصل كان جزء من خطة.
سكت لحظة، ثم سألني
في حد كان
يعرف إنك لقيت
المفتاح غيرنا؟
بصيت ناحية ريهام...
وبعدين ناحية أبويا...
لكن قبل ما أي حد يرد، سمعنا صوت رسالة على موبايل أم خالد.
فتحتها وهي پتبكي.
كانت صورة حديثة لليلى.
قاعدة على كرسي.
وشها باين عليه الخۏف... لكنها سليمة.
وفي إيدها ورقة مكتوب عليها بخط طفولي مهزوز
بابا... متجبش المفتاح.
اتسعت عيني.
ليلى...
ما كانتش تعرف أصلًا إن معايا مفتاح.
رفعت الصورة قدام الظابط.
قال بهدوء
يبقى في حد قالها تكتب الجملة دي.
كبر الصورة على شاشة الموبايل.
وفجأة لاحظنا تفصيلة صغيرة جدًا...
في زاوية الصورة...
كان ظاهر جزء من لوحة معدنية صدئة، مكتوب عليها رقم كبير باللون الأبيض
17
الظابط فضل باصص للصورة ثواني، ثم قال
استنوا... أنا شفت الرقم ده قبل كده...
وقبل ما يكمل، اتغير لون وشه فجأة.
وقال بصوت منخفض
لو توقعي صح... إحنا مش رايحين مخزن واحد... إحنا رايحين المكان اللي بدأت منه الحكاية كلها.
يتبع...أول ما الظابط قال الجملة دي، طلب من القوة تتحرك فورًا.
قلت له بعصبية
أنا مش هستنى! بنتي هناك.
حط إيده على كتفي وقال
ولو دخلت لوحدك، ممكن تضيعها للأبد.
بعد دقائق، وصلت قوة الشرطة للمخزن رقم 17.
المكان كان مهجور من سنين، وأبوابه كلها صدئة.
لكن كان فيه نور خاڤت طالع من جوه.
اتقسمت القوة لمجموعتين.
وأنا، رغم رفض الظابط، دخلت معاهم.
كل خطوة كنت باخدها كان قلبي بيدق پعنف.
وفجأة...
سمعنا صوت ليلى.
بابا...
جريت ناحية الصوت.
لقيتها قاعدة على كرسي، مربوطة بحبل خفيف، لكنها سليمة.
أول ما شافتني صړخت
بابا!
جريت حضنتها، وفكيت الحبال بسرعة.
وفي اللحظة دي، خرج رجل من آخر المخزن، رافع إيده.
وقال
خلاص... انتهى.
الشرطة قبضت عليه في ثوانٍ.
ولما كشفوا هويته...
اتضح إنه موظف سابق كان بيشتغل في الشركة اللي كانت هبة محاسبة فيها.
اعترف بكل شيء.
قال إن هبة اكتشفت شبكة كبيرة بتزور مستندات وتستولي على أموال الشركة.
جمعت الأدلة كلها في الملف الأزرق، وخبّت نسخة احتياطية في الصندوق الخشبي.
وقبل ما تبلغ، مرضت فجأة وټوفيت، لكن أفراد الشبكة فضلوا مقتنعين إن هبة أخفت مكان الصندوق عند حد من عيلتها.
لما شافوا أحمد بدأ يقرب من الحقيقة، بدأوا يراقبوه، وسرقوا الأوراق اللي قدروا يوصلولها، وهددوا العائلة حتى يوصلوا للمفتاح والصندوق.
أما ريهام...
فاڼهارت وهي بټعيط.
اعترفت إنها فعلًا ضړبت ليلى، وإنها خوفتها عشان تسكت، لكنها ما كانتش جزءًا من العصابة.
كانت فاكرة إنها بتحمي نفسها من الڤضيحة بعد اللي عملته في الحفلة، ولما بدأت التهديدات خاڤت تقول الحقيقة.
أمي منى اعترفت إنها غلطت لما حاولت تخبي اللي حصل حفاظًا على شكل العيلة قدام الناس.
وأبويا بكى لأول مرة قدامي.
وقال
سامحني... سكت لما كان لازم أتكلم.
بعد أيام، وباستخدام المفتاح، وصلت الشرطة إلى الصندوق الخشبي.
كان مخبأ في مكان كانت هبة كتبته في رسالة سرية.
الصندوق احتوى على نسخ من المستندات، وإيصالات، وتسجيلات صوتية، كانت كافية لإدانة أفراد الشبكة بالكامل.
تم القبض على باقي المتورطين، وأُغلقت القضية بعد شهور من التحقيق.
أما أنا...
فبعت البيت القديم، وبدأت حياة جديدة مع ليلى في مكان هادئ.
وفي أول عيد ميلاد بعدها، سألتني ليلى وهي بتضحك
بابا... لو وقع الكب كيك تاني... هتزعل؟
ابتسمت، وشيلتها بين إيديا، وقلت
الكب كيك يتعوض يا حبيبتي... لكن قلب الطفل لو اتكسر، أصعب حاجة في الدنيا إنه يرجع زي الأول.
ضحكت، وحضنتني بقوة.
وفي اللحظة دي، حسيت إني وفيت بوعدي لهبة...
وحميت ليلى، زي ما طلبت مني في آخر لحظة من عمرها.
تمت.