بعتو الجرسونه الغلباانه عشان يحرجوها قدام زعيم الماڤيا
موجود، أو زي إنه غبي، أو زي إنه شخص غريب مش من عالمهم. عرفت إن الإشاعة اللي كانت بتقول إنه بيتجاهل الناس عشان يتكبر، جت منه هو عشان يبعدهم عنه، لأنه كان تعبان من الأسئلة، وتعبان من نظرات الشفقة، وتعبان من الناس اللي كانوا بيزعقوا في وشه زي إنه مش بيسمع صوتهم كمان، أو بيتكلموا ورا ظهره زي إنه مش فاهم لغة الإشارة ولا قراءة الشفايف.
عرفت كمان إنه أنشأ مؤسسة خيرية ضخمة باسم أبوه وأمه، بتساعد الأطفال اللي عندهم ضعف سمع، بتعلمهم، بتجيب لهم الأجهزة، بتدعم أسرهم، بس كان بيعمل كل ده في الخفاء، ومش بيحب يتكلم عنه ولا يظهر في الإعلام.
يوم من الأيام، دعاها عاصم تزور المؤسسة، وشافت الأطفال هناك، وشافت كيف كان بيتعامل معاهم، كيف كان يلعب معاهم، وكيف كان بيفهم كل طفل وكل طفلة مهما كانت حالتهم. ساعتها عرفت إن الهدوء اللي كان عليه، والقوة، جايين من معاناة طويلة، وإن ما كانش زعيم أخطر عيلة في البلد وبس، كان إنسان تعبان ووحيد بيدور عشان حد يفهمه بصدق.
وفي المقابل، عاصم عرف عنها حاجات كتير إعجاب بيها أكتر عرف إنها بتدفع كل فلوسها عشان الخير، وإنها بتعلم أطفال الحي اللي ساكنة فيه القراءة والكتابة بلغة الإشارة ببلاش، وإنها عمرها ما شكت من ضيق الحال ولا طلبت من أحد مساعدة إلا لما كانت مضطرة أوي.
كانت علاقتهم بتبنى ببطء، مش علاقة عادية، كانت علاقة تفاهم صامت، لغة مش محتاجة كلام، مجرد نظرة أو حركة إيد واحدة كل واحد بيفهم منها التاني كل حاجة.
الجزء السادس العدالة والفرح
بعد شهور، آدم ركب السماعة الطبية، وسمع أول صوت في حياته من سنين صوت ندى وهي بتقول له يا حبيبي، أنا هنا، سامعني؟
آدم بص حوله متفاجئ، وبعدين بص لأخته، ودموعه نزلت وهو بيقول بصوت متهدج ومقطع ن ندا؟
كانت اللحظة دي أجمل لحظة في حياتها، وحياة كل اللي بيحبوها.
وفي نفس الوقت، شريف وباقي العاملين في المطعم كانوا بيتعلموا لغة الإشارة من ندى في أوقات فراغهم، قرروا إنهم يكونوا أول مطعم في الزمالك يوفر خدمة لغة الإشارة للي بيتعاملوا معاهم، وإنهم يخليوا المكان متاح للكل بلا استثناء.
ندى استمرت تشتغل في المطعم فترة، لكنها بدأت تاخد شغل تاني كمترجمة مع مؤسسة عاصم، وبدأت تساعد في تأسيس مدارس متخصصة للطلاب الصم وضعاف السمع، وبدأت قصتها تنتشر في القاهرة، وناس كتير جت تتعلم منها، وتشجعها، وتقول لها إنها غيرت فكرتهم عن الناس اللي مختلفين عنهم.
والمقلب اللي كانوا خططوا له عشان يحرجوها، طلع هو السبب في إن حياتها تتغير للأبد، وإن حياة عاصم تتغير كمان، وإن ناس كتير تانية تتغير معاهم.
كانت الدنيا علمتهم درس كبير إن السكوت مش غرور، وإن الاختلاف مش عيب، وإن أجمل ما في الإنسان قلبه اللي بيفهم، وعقله اللي بيحاول، وإيده اللي تمد للمساعدة بدل ما ترفع للتجريح.
وآخر ما قالتله ندى لعاصم في يوم من الأيام، لما كانوا قاعدين في حديقة المؤسسة وبينهم آدم بيلعب مع الأطفال كل واحد فينا عنده صوت، بس مش كل واحد عنده أذن تسمعه. الحمد لله إنك سمعتني، والحمد لله إنني سمعتك.
هو ابتسم، ورفع إيده بحركة بسيطة معناها وأنا سمعتك أحسن من أي حد في الدنيا.
وبكده كانت القصة كاملة، قصة بدأت بمقلب وحقد، وانتهت بفرح وعدالة وتفاهم، وخلّفت وراها أثر طيب مش ھيموت بسرعة.