بعتو الجرسونه الغلباانه عشان يحرجوها قدام زعيم الماڤيا
مش هسمعها وهي بتشتكي.
ندى ضحكت من قلبها.
ضحكة خرجت منها من غير ما تحس.
وعاصم فضل باصصلها
كأنه نسي آخر مرة سمع فيها الضحكة دي.
ولما خرجت أخيرًا من الأوضة
كان شريف مستنيها.
لكن المرة دي
هو اللي ما كانش بيضحك.
بصلها وقال
إيه اللي أخرك كل ده؟
ندى وقفت قدامه، ما رفعتش صوتها، ولا غيرت تعابير وشها اللي كانت هادية زي ما هي دايماً بتكون. قالتله ببساطة الراجل محتاج وقت يا شريف، مش معقول أسيبه ومش خلصت معاه.
شريف عقد حواجبه، وحط إيده على رف الخشب اللي جنب الباب، واقترب منها شوية كأنه بيحاول يخوفها محتاج وقت إيه يا بنت الكلاب؟ ده انتِ كنتِ جوا عشرين دقيقة! ده الراجل ده محدش بيقعد معاه أكتر من خمس دقايق وبيخلص كل حاجة! إيه اللي كنتِ بتعمليه جوا بالظبط؟
ورا شريف، منى وأحمد وباقي العاملين كانوا واقفين يبصوا، عيونهم كلها فضول وقلق. كانوا متوقعين إنها تطلع متبهدلة، عيونها مدمعة، وتقولهم إنه زعق فيها أو طلب يغيرها، لكنهم لقوها طالعة ماشية مرفوعة الراس، ووشها حتى فيه لمعة سعادة خفيفة ما شافوهاش عليها قبل كده.
ندى بصت لشريف في عينيه، وقالتله بنفس النبرة الهادية كنت بشرحله المنيو، وبجاوب على أسئلته. وعلي فكرة، هو مش بيسمع يا شريف مش بيتجاهل حد زي ما انت قلت. هو فعلاً ما بيسمعش الكلام اللي بنقوله، إلا لو قربنا من وشه ونقرأ الشفايف، أو نكلمه بلغة الإشارة.
كلمة لغة الإشارة طلعت منها خفيفة، لكنها ضربتهم كلهم زي الصاعقة. شريف رجع لورا خطوة، فتح بقه مش عارف يقول إيه. منى غطت بقه بإيدها، وأحمد الصغير نطق من غير ما يحس إيه انتِ بتعرفي لغة الإشارة يا ندى؟ من امتى؟
ندى بصتله، وابتسمت بابتسامة حزينة شوية من سنتين ونص تقريبًا. أخويا الصغير آدم فقد سمعه بعد مرض الكحة الشديدة اللي خدته، فكنت لازم أتعلمها عشان أقدر أتكلم معاه.
سكتوا كلهم. ما كانش عارفين يقولوا إيه. كل الحكايات اللي كانوا مخترعينها عنها، إنها متكبرة، إنها شايفة نفسها عليهم، إنها بتتكبر في سكوتها كلها اتكسرت قدام الحقيقة البسيطة دي. هي مش كانت بتتكبر، كانت مشغولة بحاجة أهم، كانت بتكافح عشان تفضل على اتصال بأقرب الناس ليها.
شريف أول من كسر الصمت، بس صوته كان متهدج شوية، ومش عارف يخبي دهشته وعاصم يعني عاصم الدمنهوري هو اللي سألكِ؟ ولا إيه؟
أنا اللي بدأت يا شريف. لاحظت إنه كان بيبص على شفايفِي طول ما أنا بتكلم، فافتكرت الحال، فرفعت إيدي وكلمته بالإشارة. هو تفاجئ أوي، وقالي إن محدش كلمه كده من سنين طويلة.
ساعتها سمعوا صوت الباب الخشبي وراها بيفتح ببطء. كلهم التفتوا بسرعة، وقلوبهم وقعت في بطونهم لما شافوا عاصم واقف ورا ندى. كان طويل وضخم زي ما هو، وعينيه كانت بتلمع بنظرة ما شافوهاش من قبل. مش نظرة الټهديد والڠضب اللي كانوا متعودين عليها، كانت نظرة فيها استغراب، وشكر، وشيء من الدهشة العميقة.
شريف اتعدل وقفته فورًا، ومسح إيده في بنطلونه، وقال بصوت مهزوز يا سيد عاصم آسف يا سيد عاصم، كنا بس كنا بنتأكد إن كل حاجة تمام؟
عاصم ما ردش عليه ولا بلفتة. عينيه كانت متسخة بندى، ورفع إيديه ببطء، وسألها بالإشارة هتأخدي طلب الأكل دلوقتي ولا إيه؟
ندى ابتسمت، وردت عليه بالإشارة قدامهم كلهم طبعًا يا سيد عاصم، هروح أجهزهلك فورًا. تفضل أي حاجة تانية؟
هز راسه، وبص شوية لشريف، وبعدين رجع بصره لندى وقلعها نظرة دافئة، وسارع خطواته وخرج من الممر واختفى.
لما