جوزي خلاني أربي بنت اخته
لتراب، وتامر وأمي بدأوا يختفوا كأنهم دخان ملوش أصل. وقبل ما السقف يطبق علينا، مسكت رانيا وبنتنا، وطلعت أجري على السلم، السلم كان بيتمط، بيطول، بيقصر، بس فضلت أجري وأنا بسمع صوت ضحكة أخيرة جاية من تحت الأرض الدين ما اتسدش يا أحمد.. لسه فيه وجبة تانية، والمرة الجاية.. المائدة هتكون في جهنم.
خرجت للشارع، النور كان بيطلع، الناس بدأت تظهر، والبيت القديم.. اللي كنا فيه، اختفى، مكانه كان مجرد أرض فاضية، خربة قديمة، مفيش فيها أي أثر لحياة، كأنها مكنتش موجودة أصلاً.
بصيت لرانيا وبنتي، كانوا بيتنفسوا، والهدوء رجع للدنيا، بس لما لمست إيدي عشان أمسح العرق، لقيت صباعي بيطلع منه خيط أسود صغير، زي الخيط اللي كان مخيط بوقي.. عرفت إن اللعڼة ما انتهتش، هي بس دخلت جوايا.. والوجبة الجاية، أنا اللي هطبخها.. بإيدي، ولنفسي.
.........
وقفت في نص الشارع، والناس بدأت تتجمع، أصوات العربيات والزحمة اللي كانت حياة طبيعية بقت بالنسبة لي أصوات غريبة ومزعجة. رانيا حاضنة بنتنا وبتعيط بصوت مكتوم، وأنا واقف زي الصنم، حاسس ب الخيط اللي في صباعي بيتحرك، زي دودة بتسري تحت الجلد، بتمتد ببطء ناحية كف إيدي.
مشيت بيهم بعيد، دخلنا أقرب فندق، دخلت الحمام وقفلت على نفسي. بصيت في المراية، وشي مكنش وشي، كان وشه هو.. ملامح الحاج عبد العزيز بدأت تترسم على ملامحي، خطوط العجز، بريق العين الصفرا، وحتى نبرة الصوت. مسكت السکينة اللي كنت شايلها من المطبخ.. مكنتش عارف إزاي خدتها معايا، بس كانت في جيبي، باردة ومسنونة كأنها مستنية دورها.
يا أحمد.. أنت بقيت إحنا، وإحنا بقينا أنت.
الصوت مكنش طالع من وراي، كان طالع من جوه حنجرتي. بصيت للمراية، رانيا خبطت على الباب أحمد؟ إنت بتعمل إيه جوه؟ بقالك ساعة!
حاولت أرد، بس صوتي طلع غريب، صوت خشن بيطلع من صدر مليان دخان خاېف عليهم يا رانيا.. خاېف من اللي جوايا.
فجأة، حسيت بحاجة بتقرصني في كتفي، مكان العضة القديمة. لمست كتفي، لقيت خيط تاني أسود خارج من جلدي، وبدأ يمتد على المراية، يكتب حروف.. حروف بلغة قديمة، حروف كانت مكتوبة على اللحمة زمان. قريتها من غير ما أفهم معناها لا مفر من المائدة.. القاټل والمقتول مأكول.
بصيت لرانيا اللي فتحت الباب فجأة، لقيتها واقفة بتبصلي، عنيها مكنتش خاېفة، عنيها كانت جوعانة. رانيا، اللي كانت دايماً پتبكي من الړعب، دلوقتي كانت بتبتسم نفس الابتسامة الشاقة اللي شوفتها على وش تامر. أحمد.. المطبخ جاهز في كل حتة، مش محتاجين بيت، إحنا البيت.
مسكت إيدها، لقيت إيديها ساقعة متلجة، وبدأت ملامحها تتغير قدامي، عظام وشها بدأت تبرز، وبقها بدأ يتوسع. بنتنا دخلت وراها، كانت بتمشي بتقل، وعنيها كانت بتلمع بنفس اللون الأحمر القاني.
بابا.. قالت بنتي بصوت مش صوتها، أنا جعت تاني.. والمرة دي، مش عايزين لحمة.. عايزين أصل العيلة.
فهمت اللعبة أخيراً. اللعڼة ما كانتش بتطاردنا، اللعڼة كانت بتنتقل من جيل لجيل، إحنا المضيف اللي الكيان بيسكنه عشان يستمر في الأكل. أنا وأبويا وتامر، كلنا كنا مجرد أواني بيتبدل فيها العفن.
بصيت للسکينة في إيدي، وبصيت لمراتي وبنتي. عرفت إن الطريقة الوحيدة عشان أقطع الدايرة دي، مش إني أقتلهم، ولا إني أهرب.. الطريقة الوحيدة هي إني أغلق المائدة بنفسي.
ماشي.. قلتها بصوت رجولي قوي، صوتي أنا، مش صوتهم، لو ده اللي عايزينه، يبقى أنا اللي هوزع الوجبة.
رفعت السکينة، مش ناحيتهم، بس ناحية المراية اللي كانت بتعكس صوري كلها، صوري وأنا صغير،
وأنا شاب، وأنا شايل بنتي.. ضړبت المراية بكل قوتي، اتكسرت لمليون حتة. في اللحظة دي، سمعت صړخة مسموعة من كل حتة في الدنيا، كأن الكون كله اتوجع.
الكيانات اللي كانت جواهم بدأت تخرج من بقهم في صورة دخان أسود، وتتجمع في نص الحمام، بتحاول تتشكل في صورة مائدة. مسكت حتة من إزاز المراية المکسورة، ونقشت على إيدي اسمي الحقيقي، الډم نزل أحمر، نقي، مش أسود.
الكيانات صړخت صړخة أخيرة قبل ما تتبخر، رانيا وبنتي وقعوا على الأرض فاقدين الوعي. بصيت لإيدي، الخيط الأسود كان بيتقطع، پيتحرق، وبيدوب.
قعدت جنبهم على الأرض، ومنهك، وبصيت من شباك الحمام. الفجر طلع، والشمس بدأت تطلع نورها اللي بيغسل كل سواد. عرفت وقتها إن المعركة خلصت.. بس الچرح اللي سابوه في روحي، والذكريات اللي شفتها، هتعيش معايا لبقية عمري.
سحبتهم وخرجت من الفندق، ومن المدينة، ومن كل مكان ممكن يربطنا بالعيلة دي. عيشنا.. بس في كل مرة بنشوف فيها لحمة، بنفتكر إن فيه عهود قديمة بتتربط پالدم، وإحنا، وبأعجوبة، قدرنا نفك العقدة.. قبل ما العقدة تفك رقبتنا.
تمت