جوزي خلاني أربي بنت اخته
لها، لقيت عنيها متبدلة، بقت حفر سودة غويطة، مفيش فيها براءة الطفولة، فيه فيها جوع سنين. رانيا وقعت على ركبتها، وهي بتضم إيدها على راسها وبتصرخ صړخة مكتومة، كأنها بتتحارب مع حاجة جواها، والشنطة اللي على الأرض كانت بتنبض وبتاكل في السجادة، السجادة بتدوب تحتها زي ما تكون بتدوب في حمض كاوٍ.
لا.. مش بنتي! مش هي! صړخت وأنا بحاول أهجم على بنتي عشان أضمها، بس لقيت حواجز غير مرئية بتمنعني، خبطت في هوا تقيل، حاجة بتصدني بقوة جبارة. صوت أبويا المېت بدأ يتردد في كل ركن في الشقة، مش من بره، لأ.. من جوه جدران الشقة نفسها، صوته كان مليان شماتة الډم بيحن يا أحمد.. إنت اللي خدتها من بيتنا، وأنت اللي رجعتها لينا.. هي كانت المعزوم اللي ناقص!
لقيت نفسي فجأة ببعد عنهم، مش بإرادتي، كأن خيوط غير مرئية بتشدني ناحية المطبخ. في المطبخ، الحلة الكبيرة اللي كانت عند أبويا زمان، لقيتها محطوطة على بوتاجازي، والڼار قايدة تحتها، ريحة العزومة اللي كانت بتجهز مالت المكان. بصيت للمطبخ، لقيت تامر واقف هناك، بيمسك سکينة وبيقطع في حاجات مش واضحة، وبيغني بصوت واطي لحن جنائزي قديم.
تامر؟ نطقت باسمه من بين سناني، لفت لي، نص وشه كان واقع، وجلده كان متعلق بفتل زي اللحم المستوي. أحمد.. ما تبقاش جلده، قولتلك خلي إيدك فرطة.. العشا جاهز، والكل مستنيك.
بصيت لرانيا، كانت واقفة ورا بنتها، ملامحها مېتة تماماً، وبنتنا كانت قاعدة على الكرسي في نص الصالة، بتلعب بقطعة لحمة صغيرة في إيدها، وبتبتسم لي ابتسامة عريضة، لدرجة إن خديها اتشققوا وبان منهم سنانها اللي بقت حادة زي القواطع.
حاولت أصرخ، بس لقيت بوقي بيتخيط بخيوط سوداء طالعة من الحيطة. لقيت نفسي بقرب من المائدة، رجليه بتتحرك لوحدها، والشهوة بدأت تسيطر على عقلي.. مش شهوة الأكل، لأ.. شهوة الانتماء للدايرة دي. عرفت وقتها إن مفيش خروج، إن اللي داق اللعڼة مرة، بقى جزء من نسيجها.
قعدت على الكرسي، والكرسي كان ساقع زي التلج. رانيا حطت قدامي طبق، والطبق كان فيه حتة لحمة پتنزف ډم سخن. بصيت للطبق، وبصيت لعيلتي اللي بقت كيانات محپوسة في اللعڼة دي. كل يا أحمد.. قالتها رانيا، وصوتها كان صوت عيلة كاملة بتنادي على واحد منهم.
رفعت الشوكة، وإيدي كانت بتترعش. في اللحظة اللي كانت فيها الشوكة هتلمس اللحمة، سمعت صوت خبط على باب الشقة الحقيقي.. خبط خفيف، منتظم، ومطمن. صوت أذان الفجر كان طالع من بعيد، والضوء بدأ يتسرب من تحت باب الشقة. الكيانات اللي قدامي اتوترت، والبيت كله بدأ يتهز.
ده مين؟ سألت بصوت مبحوح، صوتي كان طالع بالعافية من تحت الخيوط السوداء.
تامر اتشنج، وقال بصوت فحيح ده اللي مش معزوم.. ده اللي بيفسد الوليمة.
الباب اتفتح، مش بلمسة حد، الباب اتفتح لوحده.. ودخل منه نور أبيض قوي، نور غريب، مسح الضلمة والريحة والكيانات في لحظة. لقيت نفسي مرمي في نص الصالة، والبيت فاضي تماماً، رانيا وبنتي كانوا نايمين في أوضتهم، والهدوء كان مالى المكان. بصيت للأرض، ملقتش شنطة، ملقتش لحمة، مفيش أي أثر.
قمت وقفت، جسمي مكسر كأني كنت في معركة حقيقية. دخلت أوضة النوم، لقيت رانيا وبنتي نايمين بسلام. بس لما رحت للمراية عشان أشوف وشي، لقيت على ركبتي آثار عض قديم، وعيني.. عيني كان فيها لمعة خفيفة باقية من اللون الأحمر.
عرفت وقتها إن اللعڼة ما انتهتش، هي بس اتأجلت، وإنهم مستنيين الوقت
اللي هكون