حماتي كانت كل ما تحصل مشكلة بيني وبين جوزي تقول له: “طلقها وريح دماغك”… لحد اليوم اللي قالها فيه: “حاضر.”
إجابة.
لأن سكوتها كان اعتراف.
أخو أحمد الكبير قال
إحنا عمرنا ما عرفنا الكلام ده.
محمود قال
وأنا كمان ما عرفتش غير بالصدفة.
وبعدين أخرج صورة قديمة من محفظته.
وقال
لقيتها وسط أوراق أبويا.
أحمد أخدها.
وقعد يقرأ.
كل ثانية كانت أطول من اللي قبلها.
وفجأة قعد على الكرسي.
وكأنه فقد كل قوته.
أنا قربت منه.
وقلت
في إيه؟
رفع الورقة ناحيتي.
وكان فيها بخط والده.
كلمات بسيطة.
لكنها واضحة.
بيوصي فيها بتقسيم معين للميراث.
تقسيم مختلف تمامًا عن اللي حصل.
وأحمد فضل ساكت.
دقائق كاملة.
ثم قال
ليه؟
سؤال صغير.
لكن فيه ۏجع سنين.
بص لأمه.
وقال مرة تانية
ليه؟
حماتي بدأت تبكي.
لكن لأول مرة محدش جرى يواسيها.
لأن الجميع كان منتظر الإجابة.
قالت بصوت ضعيف
كنت خاېفة.
أحمد قال
من إيه؟
ردت
من إن إخواتك يزعلوا.
ضحك أحمد ضحكة موجوعة.
وقال
فضيعتي وضياع حقي كان أهون؟
ما ردتش.
وأنا لأول مرة فهمت حاجات كتير.
فهمت ليه أحمد كان دايمًا شايل فوق طاقته.
ليه كان بيشتغل أكتر من شغلانة.
ليه كان حاسس إن الدنيا كلها فوق كتفه.
كان فاكر إن ده نصيبه.
لكن الحقيقة إن جزء من حقه اختفى من سنين.
وفجأة أخوه الكبير قال
أنا ما كنتش أعرف.
ومحمود قال
ولا أنا.
الأجواء كانت مشحونة جدًا.
لكن اللي حصل بعد كده غيّر كل حاجة.
لأن بنت أحمد الكبيرة، اللي كان عندها 11 سنة وقتها، كانت قاعدة في آخر الصالة.
وسامعة كل الكلام.
فجأة قامت.
ومشيت ناحية أبوها.
وقالت
بابا.
أحمد مسح دموعه بسرعة.
وقال
نعم يا حبيبتي.
قالت
إنت زعلان؟
ابتسم رغم ألمه.
وقال
شوية.
البنت سكتت لحظة.
ثم قالت جملة خلت الكل يطأطئ رأسه
لو ستي كانت بتزعلك كل السنين دي... ليه ما بعدتش عنها؟
محدش عرف يرد.
حتى حماتي نفسها.
لأن السؤال كان بريئًا جدًا.
وصادقًا جدًا.
وأحمد ضم بنته.
وقال
عشان دي أمي.
البنت قالت
بس الأم المفروض تفرح ابنها.
الجملة نزلت على المكان كله كأنها مرآة.
مرآة شافت فيها العيلة نفسها لأول مرة.
وساعتها بدأت حماتي تبكي بجد.
مش دموع ڠضب.
ولا دموع تمثيل.
لكن دموع إنسانة بدأت تشوف نتائج أفعالها.
لكن المشكلة إن الضرر كان حصل بالفعل.
سنين من الخلافات.
سنين من الشك.
سنين من الضغط.
وسنين من كلمة واحدة كانت بتتكرر كل مرة
طلقها.
وأحمد أخيرًا وقف.
وبص لأمه.
وقال
عارفة يا ماما؟
رفعت رأسها.
فقال
أنا فعلًا هعمل اللي طلبتيه مني.
الكل اتوتر.
وأحسست إن قلبي هيقف.
حتى بعد كل اللي حصل.
كلمة الطلاق كانت مرعبة.
لكن أحمد أكمل
بس مش هطلق مراتي.
ثم نظر مباشرة إلى أمه وقال
أنا هطلق فكرة إن أي حد يدير حياتي غيري.
الصالة كلها سكتت.
وأحمد أكمل
من النهارده... قرارات بيتي ليا ولمراتي.
ومش هسمح لأي حد يدخل بينا.
لكن كان لسه فيه قرار أخير.
قرار هيحدد إذا كانت العيلة هتتفكك للأبد...
ولا فيه فرصة أخيرة إنها تتصلح.
بعد ما أحمد قال
من النهارده... قرارات بيتي ليا ولمراتي.
كان الصمت مالي المكان.
صمت طويل.
تقيل.
كأن كل واحد في العيلة بيسترجع سنين كاملة من الذكريات والمواقف.
حماتي كانت قاعدة على الكرسي.
وعينيها في الأرض.
لأول مرة من يوم ما عرفتها ما تحاولش تبرر.
ولا تدافع عن نفسها.
ولا تقول إن الناس فاهمة غلط.
أحمد بص حواليه.
وبعدين قال
أنا مش واقف هنا عشان أفضح حد.
ولا عشان أكسب خناقة.
أنا واقف عشان أنهي حاجة بقالها سنين.
أخوه الكبير هز رأسه وقال
ومعاك حق.
ثم بص لأمه وقال بحزن
بس يا أمي... كان لازم الكلام ده يتقال من زمان.
حماتي مسحت دموعها.
وقالت بصوت متكسر
أنا كنت فاكرة إني بحافظ عليكم.
أحمد رد بهدوء
الحفاظ على الناس غير التحكم فيهم.
سكتت.
وما لقتش رد.
وأنا كنت قاعدة أسمع.
وفي قلبي مشاعر متلخبطة.
فيه ۏجع من كل اللي فات.
وفيه ارتياح إن الحقيقة ظهرت.
وفيه حزن على شكل العلاقة اللي وصلت لكده.
بعد دقائق من الصمت...
وقفت حماتي.
وبصت ناحيتي لأول مرة من بداية الجلسة.
وقالت
ممكن أتكلم معاكي؟
العيلة كلها بصت ليا.
وأنا بصراحة ما كنتش مستعدة.
لكن هزيت رأسي.
ودخلنا أوضة جانبية.
أول ما الباب اتقفل.
فضلت واقفة قدامي كام ثانية.
وبعدين قالت
أنا ظلمتك.
الكلمات كانت غريبة جدًا لدرجة إني افتكرت إني سمعت غلط.
حماتي اللي عمرها ما اعترفت بخطأ.
بتقول
أنا ظلمتك.
حسيت بعيني دمعت.
لكن فضلت ساكتة.
فكملت
من أول