حماتي كانت كل ما تحصل مشكلة بيني وبين جوزي تقول له: “طلقها وريح دماغك”… لحد اليوم اللي قالها فيه: “حاضر.”
فيه حاجة أكبر.
وأحمد بالفعل طلع ظرف تاني.
وقال
المشكلة إن الفلوس دي كانت سبب معظم الخناقات بيني وبين مراتي.
أنا بصيت له بعدم فهم.
فقال
فاكرة لما كنا پنتخانق كل شهر بسبب العجز في المصاريف؟
هزيت رأسي.
طبعًا فاكرة.
كنا أوقات بنوصل آخر الشهر ومش فاهمين الفلوس راحت فين.
وكان بيبقى مقتنع إني بصرف كتير.
وأنا كنت مقتنعة إنه بيبالغ.
لحد ما كنا پنتخانق.
وأوقات كتير كنت أبكي لوحدي.
وأقول يمكن أنا فعلًا السبب.
أحمد قال قدام الكل
كنت فاكر إن مراتي بتصرف زيادة.
ثم بص لأمه.
وأضاف
لكن الحقيقة إن الحساب كان بيتسحب منه من ورايا.
ساعتها لأول مرة أشوف حماتي ساكتة.
بجد ساكتة.
من غير رد.
من غير تبرير.
من غير هجوم.
العيلة كلها بدأت تستوعب الصورة.
وأخته الصغيرة قالت
ماما... الكلام ده صحيح؟
قالت بعصبية
كنت باخدهم عشان أخوكم الصغير.
التفتت الأنظار كلها ناحية شقيق أحمد الأصغر.
الشاب اللي كان قاعد في آخر الصالة.
وشه اتقلب فجأة.
وأحمد قال
تمام.
ثم رفع ورقة جديدة.
يبقى نفسري دي إزاي؟
أخو أحمد الأصغر اتوتر.
وقال
ورقة إيه؟
أحمد قال
إيصالات تقسيط عربية.
الصمت رجع تاني.
وأضاف
العربية اللي اشتريتها من سنة.
الشاب قال بسرعة
أنا دفعت تمنها.
أحمد ضحك ضحكة قصيرة.
وقال
منين؟
وسكت ثانية.
ثم قال
من حسابي.
هنا بدأ التوتر يتحول لفوضى.
أخو أحمد الكبير وقف.
وقال
استنى... إنت بتقول إن ماما كانت بتسحب من حسابك وتدي أخوك؟
أحمد قال
بالضبط.
كل العيون اتجهت ناحية حماتي.
لكن المفاجأة إنها قالت
وأعمل إيه؟
الجملة نزلت كالصاعقة.
وأكملت
أخوكم كان محتاج.
أحمد قال
وأنا كنت محتاج بيتي.
وبناتي كانوا محتاجين.
ومراتي كانت محتاجة تعيش من غير ما تتحاسب على فلوس ما صرفتهاش.
أنا وقتها دموعي نزلت.
مش عشان الفلوس.
لكن عشان لأول مرة حد فهم اللي كنت بمر بيه.
لأول مرة حد شاف الحقيقة.
لأول مرة أحمد نفسه شافها.
حماتي بدأت تحاول تغير الموضوع.
وقالت
يعني عشان شوية فلوس هتفضح أمك؟
أحمد هز رأسه.
وقال
لأ.
وسكت.
ثم قال
الفلوس كانت البداية بس.
وهنا...
اتغير لون وشها تمامًا.
لأنها عرفت إنه لسه ما خلصش كلامه.
ولأن الأوراق اللي كانت معاه...
ماكنتش مجرد كشوف حسابات.
وكان فيه سر أكبر بكتير مخبي وسطهم.
سر لو اتكشف...
هيغير شكل العيلة كلها.
الصالة كلها كانت ساكتة.
محدش قادر يتكلم.
ولا حتى يتحرك.
وأنا قاعدة مكاني ببص لأحمد وكأني أول مرة أشوفه.
مش أحمد اللي كان بيهرب من المشاكل.
ولا أحمد اللي كان يحاول يرضي كل الناس على حساب نفسه.
كان واقف بثبات غريب.
وكأنه أخيرًا قرر يقول كل حاجة مكبوتة جواه من سنين.
حماتي حاولت تتمالك نفسها.
وقالت
خلاص يا أحمد... حصل خير.
لكن أحمد هز رأسه.
وقال
لسه ماحصلش خير.
وأخرج ملف صغير من بين الأوراق.
ساعتها لمحت خوف حقيقي في عينيها.
الخۏف اللي بيظهر لما الإنسان يعرف إن الحقيقة خلاص قربت تتكشف.
أخو أحمد الكبير قال
في إيه تاني؟
أحمد فتح الملف بهدوء.
وقال
فاكرين من 3 سنين لما قررنا نشتري الشقة؟
أنا افتكرت اليوم ده كويس.
كنا بنحوش من أول الجواز.
كل جنيه كان ليه حساب.
كنت أشتغل ساعات زيادة.
وأحمد يشتغل شغل إضافي.
عشان نحلم بشقة أوسع لبناتنا.
وقتها حماتي كانت بتدخل في كل حاجة.
حتى اختيار المنطقة.
حتى لون السيراميك.
حتى الأوضة اللي هتكون للأطفال.
لكن في الآخر اشترينا الشقة.
أو على الأقل ده اللي كنا فاكرينه.
أحمد رفع عقد قديم.
وقال
العقد ده كنت فاكر إني قريته كويس.
ثم ضحك بمرارة.
بس اكتشفت إني كنت غلطان.
العيلة كلها بصت له.
وأنا بدأت أقلق.
قال
الشقة متسجلة باسمي وباسم شخص تاني.
اټصدمنا.
وأخوه قال
مين؟
أحمد رفع العقد.
وبص لأمه.
وقال
أمي.
الصمت نزل على المكان.
حتى الأطفال اللي كانوا بيلعبوا وقفوا.
أنا حسيت بدوخة.
وقلت
إيه؟
أحمد بص لي بحزن.
وقال
والله ما كنت أعرف.
بدأت أفتش في ذاكرتي.
وفجأة افتكرت.
يوم التوقيع.
حماتي كانت مصممة تروح معانا.
وقالت وقتها
أنا فاهمة في العقود أكتر منكم.
لكن ماحدش شك لحظة.
كمل أحمد
المحامي اللي عمل الإجراءات كان قريب ماما.
حماتي صړخت
وأنا عملت كده عشان أحميك!
أحمد قال
تحميني من إيه؟
من مراتي؟
سكتت.
فقال
ولا كنتِ بتأمني نفسك؟
بدأت ملامحها تتغير.
وأول مرة أحس إنها مش لاقية كلام.
أنا كنت مصډومة.
مش عارفة أزعل.
ولا أغضب.
ولا أبكي.
الشقة اللي تعبت فيها.
وفرشتها.
ودفعت من شغلي عشان تكمل.
كانت متقسمة