توسلت إليَّ ابنتي ألا أسافر في رحلة العمل تلك
المحتويات
الجدة خلف ظهورنا.
غادرت المبنى بعد ذلك بوقت قصير.
وفي هاتفي عشرات الصور.
صور لمريم داخل الاستوديو.
وصور لأمينة وهي توقع الأوراق.
وصورتان لسجل الدفعات.
كانت أدلة كافية بالنسبة لي.
لكنها لم تمنحني أي راحة.
لأن الحقيقة التي اكتشفتها لم تكن أقل إيلامًا مما كنت أخشاه.
بعد أقل من ساعة كنت أجلس داخل سيارتي أمام المنزل.
أراجع الصور مرة تلو الأخرى.
وأحاول استيعاب ما رأيته.
ثم وصلت زينب.
نزلت من سيارتها بسرعة.
ودخلت المنزل.
تبعتها بعد لحظات.
وجدتها واقفة في غرفة الجلوس.
شاحبة الوجه.
وعيناها تمتلئان بالڠضب والصدمة.
ما إن رأتني حتى قالت
أين أمي؟
أجبت بهدوء
في الملحق الخلفي.
لم تقل شيئًا.
استدارت فورًا واتجهت نحو الباب المؤدي إلى الحديقة.
أدركت أنها بلغت حدًا لم تعد معه قادرة على الانتظار.
لحقت بها.
فتحنا باب الملحق دون استئذان.
كانت أمينة جالسة على سجادة الصلاة.
ترفع يديها بالدعاء.
وحين رأتنا، أنزلتهما ببطء.
ثم نظرت إلى وجوهنا.
وعرفت على الفور أن شيئًا ما قد انكشف.
قالت بصوت خاڤت
ماذا حدث؟
ألقت زينب مجموعة الصور فوق الطاولة.
تناثرت الأوراق أمامها.
صور مريم.
صور الأطفال.
صور الاستوديو.
صور العقود.
وصورة لتحويل مالي يحمل اسمها.
تجمد وجهها.
ثم أغمضت عينيها.
وكأنها كانت تعلم أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.
صړخت زينب
لماذا؟!
لم تجب.
تقدمت خطوة أخرى.
وقالت بصوت أكثر حدة
لماذا كنتِ تأخذين ابنتي من دون علمي؟
ظلت صامتة.
ولماذا كنتِ توقعين نيابة عنها؟
صمت.
ولماذا كنتِ تستلمين المال؟
عندها فقط بدأت يداها ترتجفان.
ورأيت الدموع تتجمع في عينيها.
قالت بصوت منكسر
لأنكما لم تكونا لتوافقا.
ارتفع صوت زينب أكثر
طبعًا لن نوافق!
قالت أمينة
كانت مجرد إعلانات للأطفال.
من دون علم أهلها؟
كنت أظن الأمر بسيطًا.
بسيطًا؟!
كادت زينب تفقد أعصابها.
وقالت
تأخذين طفلة في الثامنة من عمرها إلى مكان مجهول، وتطلبين منها ألا تخبر أمها أو أباها، ثم تقولين إنه أمر بسيط؟
اڼهارت أمينة على الكرسي.
وأخذت تبكي.
بكاءً حقيقيًا.
بكاء امرأة أثقلها التعب والخۏف أكثر مما أثقلها الذنب.
وقالت بين شهقاتها
أقسم بالله أنني لم أؤذِ مريم يومًا.
لم ترد زينب.
أما أنا فبقيت أراقبها.
لأن شيئًا ما لم يكن منطقيًا.
خلال عملي الصحفي، رأيت مجرمين حقيقيين.
ورأيت كاذبين محترفين.
لكن هذه المرأة لم تكن تبدو كامرأة تستغل طفلة لمصلحة شخصية.
كانت خائڤة.
إلا أن خۏفها لم يكن خوف شخص انكشف أمره.
بل خوف شخص يخشى انكشاف سر أكبر منه.
سألتها
إلى أين ذهب المال؟
رفعت رأسها نحوي.
ولأول مرة بدا الارتباك واضحًا على وجهها.
قالت
ليس لي.
ساد الصمت.
نظرت إليها زينب بعدم تصديق.
وقالت
ماذا تعنين بأنه ليس لك؟
أقسم بالله أنه ليس لي.
لكن التحويلات كلها مرت عبر حسابك.
نعم.
إذن أين كانت تذهب؟
أطرقت رأسها.
ثم همست
لا أستطيع أن أقول.
صړخت زينب
حتى الآن ما زلتِ تخفين الحقيقة؟!
قالت أمينة
أنا لا أكذب.
إذن تكلمي.
هزت رأسها ببطء.
وقالت
لا أستطيع.
شعرت أن الحديث بدأ يدور في دائرة مغلقة.
فأخرجت الصورة التي التقطتها لرقم الحساب داخل الاستوديو.
ووضعتها أمامها.
وفي اللحظة التي وقعت عيناها عليها، اختفى اللون من وجهها بالكامل.
كأنها رأت شبحًا.
رفعت رأسها نحوي وقالت
من أين حصلت على هذا؟
من الاستوديو.
أغمضت عينيها.
وأخذت نفسًا طويلًا.
ثم قالت
كان ينبغي أن ينتهي كل هذا منذ زمن.
تبادلت أنا وزينب النظرات.
فقد تغيرت نبرة صوتها تمامًا.
لم تعد تدافع عن نفسها.
بل بدت وكأنها استسلمت أخيرًا.
سألتها زينب
ماذا تقصدين؟
رفعت أمينة رأسها نحو ابنتها.
وكانت الدموع تنساب بصمت على وجنتيها.
ثم قالت
والدك.
تجمدت زينب في مكانها.
وقالت
ماذا؟
والدك.
أبي ټوفي قبل عامين.
أعلم.
إذن ما علاقته بكل هذا؟
خفضت أمينة رأسها.
ثم قالت
لأن الأموال كانت تمر عبر الحساب المشترك الذي كان بيني وبينه.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
قالت زينب ببطء
الحساب المشترك؟
أومأت
أمينة برأسها.
وأضافت
وبعد ۏفاته بقيت أنا صاحبة الصلاحية عليه.
نهضت ببطء.
واتجهت نحو خزانة قديمة في زاوية الغرفة.
فتحت درجها السفلي.
وأخرجت ملفًا بنيًا سميكًا.
ثم وضعته أمامنا.
ترددت طويلًا.
قبل أن تفتحه أخيرًا.
ظهرت الأوراق واحدة تلو الأخرى.
خطابات مطالبة.
إنذارات سداد.
عقود مالية.
وإيصالات تحويل.
كلها تحمل اسم والد زينب.
وبعد دقائق قليلة أدركت الحقيقة.
كان الرجل مدينًا بمبلغ ضخم.
وجدت عقود اقتراض.
وضمانات مالية.
وإشعارات مطالبة بالسداد.
وتوقيعات تعود إلى الأشهر الأخيرة من حياته.
قالت أمينة بصوت
منهك
في أيامه الأخيرة
متابعة القراءة