توسلت إليَّ ابنتي ألا أسافر في رحلة العمل تلك

موقع أيام نيوز

انحنت نحو مريم وقالت شيئًا.
بعدها أشارت إلى الرجل.
وفي تلك اللحظة رفعت الكاميرا.
وضغطت زر التصوير.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
عشرات الصور المتتالية.
صورة واضحة.
حماتي.
ابنتي.
وأحد العاملين في المبنى.
كلهم في إطار واحد.
نظرت إلى الشاشة.
وتأكدت أن الصورة التُقطت بوضوح كامل.
شعرت بأن شيئًا ما قد تغير.
حتى لو اختفى الجميع الآن.
حتى لو أغلقوا المبنى وغادروا.
أصبح لدي ما يكفي لأواجه أمينة بالحقيقة.
وأصبح لدي دليل واضح على أن مريم كانت هنا بالفعل.
أخرجت هاتفي واتصلت بزينب.
ردت بسرعة.
قلت دون مقدمات
حصلت على الصور.
سألت بلهفة
هل مريم بخير؟
نعم.
سمعت زفيرًا طويلًا خرج منها.
ثم سألت
وماذا اكتشفت؟
نظرت إلى الباب الأزرق.
ثم قلت
لا أعرف بعد.
ساد الصمت بيننا.
ثم قالت
إذن ماذا ستفعل؟
كان الباب لا يزال مفتوحًا جزئيًا.
وأحد العاملين خرج للتدخين قرب المدخل.
في تلك اللحظة خطرت لي فكرة.
فكرة قد تمنحني الإجابة التي أبحث عنها.
قلت
سأدخل.
ساد صمت طويل.
ثم قالت
أحمد... لا تتصرف بتهور.
أجبت
لن أفعل.
إذن كن حذرًا.
سأكون حذرًا.
أغلقت الهاتف.
ثم التقطت حقيبة الكاميرا.
وخرجت من السيارة.
لأدخل ذلك المبنى بنفسي.
وأعرف أخيرًا ما الذي يحدث خلف الباب الأزرق.
عندما وصلت إلى الباب الأزرق وجدته مفتوحًا جزئيًا.
لكن هذه المرة لاحظت شيئًا لم أره من الخارج.
مكتب استقبال صغير.
وموظف يجلس خلفه.
اقتربت بهدوء.
رفع الرجل رأسه نحوي.
وقال
نعم أستاذ؟
ابتسمت ابتسامة مترددة.
وقلت
سمعت عن المكان من أحد الأصدقاء. عندي طفل وأردت أن أعرف طبيعة العمل هنا.
أشار إلى عدة مقاعد في قاعة الانتظار.
تفضل. سيشرح لك مسؤول التنسيق كل شيء.
جلست.
وأخذت أراقب المكان من حولي.
لأول مرة رأيت ما يوجد خلف الباب الأزرق بوضوح.
لم يكن مخزنًا مهجورًا.
ولم يكن مكانًا سريًا كما تخيلت.
بل استوديو تصوير كبير.
كاميرات.
إضاءات احترافية.
خلفيات ملونة.
غرف تبديل ملابس.
وأطفال.
الكثير من الأطفال.
بعضهم مع آبائهم.
وبعضهم مع أمهاتهم.
وبعضهم ينتظر دوره في التصوير.
لثوانٍ شعرت بشيء من الارتياح.
ربما أخطأت.
ربما كانت مريم تبالغ.
وربما كانت أمينة تخفي الأمر فقط لأنها تعرف أننا سنرفض مشاركة ابنتنا في الإعلانات.
لكن شيئًا ما ظل يزعجني.
في إحدى الزوايا كانت طفلة صغيرة تقف أمام الكاميرا.
بدت مرهقة.
ورغم ذلك طلب منها المصور إعادة المشهد مرة بعد أخرى.
وفي الجهة المقابلة كان طفل يبدل ملابسه للمرة الثالثة خلال أقل من ساعة.
مرة بزي مدرسي.
ومرة بدشداشة.
ومرة بملابس رياضية.
كل شيء بدا قانونيًا.
لكن الأطفال هنا لم يكونوا يشاركون في نشاط ترفيهي.
كانوا جزءًا من صناعة كاملة.
إعلانات.
محتوى دعائي.
فيديوهات ممولة.
وحملات تسويقية.
بينما كنت أراقب المكان لمحْت مريم.
كانت تجلس في آخر القاعة.
ترتدي الفستان الأبيض.
وبجوارها أمينة.
شعرت بانقباض في صدري.
خفضت رأسي فورًا حتى لا تراني.
وبدأت أراقب من بعيد.
بعد دقائق اقتربت منهما موظفة تحمل عدة أوراق.
وضعتها أمام أمينة.
ثم أشارت إلى مكان محدد.
تناولت أمينة القلم.
ووقعت.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم أعادت الأوراق إليها.
لم أستطع رؤية التفاصيل.
لكنني التقطت عدة صور بهاتفي من بعيد.
بعد ذلك اتجهت الموظفة نحو الطابعة القريبة.
وطبعت مجموعة أوراق جديدة.
ثم غادرت للحظات بعدما ناداها أحد العاملين.
بقيت الأوراق فوق المكتب.
وحيدة.
اقتربت ببطء.
متظاهرًا بتفحص بعض المنشورات الدعائية الموضوعة بجوارها.
ألقيت نظرة سريعة.
ثم ثانية.
وفي الثانية تجمدت مكاني.
كان اسم أمينة ظاهرًا أعلى إحدى الصفحات.
وتحته سجل دفعات متعددة.
مواعيد مختلفة.
ومبالغ متكررة.
ليست كبيرة.
لكنها منتظمة.
شهرًا بعد شهر.
التقطت صورتين بسرعة.
ثم عدت إلى مقعدي قبل أن ينتبه أحد.
بعد دقائق خرج رجل قدم نفسه بصفته مسؤول التنسيق.
جلس معي.
وبدأ يشرح طبيعة العمل.
كيف تشارك بعض الشركات أطفالًا في حملاتها الإعلانية.
وكيف يحصل أولياء الأمور على مقابل مادي لقاء الجلسات.
أخبرني أن الاستوديو يعتمد على الشخص الذي يحضر الطفل بصفته المسؤول عنه، ما دام يوقع التعهدات المطلوبة.
كنت أومئ برأسي.
لكنني لم أكن أستمع حقًا.
لأن
الصورة بدأت تتشكل أمامي.
لم يكن هناك خطڤ.
ولم يكن هناك احتجاز.
لكن أمينة كانت تأخذ مريم إلى هذا المكان منذ أشهر.
دون علمنا.
وتوقع الأوراق بنفسها.
وتستلم الأموال بنفسها.
وتطلب من مريم ألا تخبر أحدًا.
تذكرت كلمات ابنتي.
الجدة قالت لا أخبر أحدًا.
وفجأة فهمت كل شيء.
لم يكن الباب الأزرق هو السر.
السر كان ما تفعله
تم نسخ الرابط