لما خرجت من عند الماذون حكايات زهرة

موقع أيام نيوز

للصورة مرة ثانية.
ده كان المحامي اللي كتب عقد الشركة لأبويا.
الرجل العجوز اتجمد.
وثريا حطت إيدها على فمها.
الضابط قال
المحامي ماټ من خمس سنين.
سكتنا.
ثم وصلت رسالة أخيرة
لو عايزة تعرفي مين كان بيحرك فارس... افتحي الدفتر قبل ما توصلي للمكتب.
بصيت للدفتر القديم الموجود على الطاولة.
فتحته.
صفحة وراء صفحة كانت مليانة أرقام وحسابات.
لكن في آخر صفحة...
كان فيه اسم واحد مكتوب بخط أبويا.
اسم لم أسمعه طوال حياتي.
وتحته
الشخص الوحيد الذي أثق به بعد وفاتي.
قرأت الاسم.
واتسعت عيني.
لأن الاسم كان...
حسام.
وفجأة سمعنا صوت رسالة صوتية وصلت على هاتف الضابط.
فتحها.
جاء صوت حسام واضحًا هذه المرة
لو شهد وصلت للمكتب... ما تفتحوش الباب.
ثم صمت ثانيتين.
وأضاف
لأن فارس مش هو اللي خطڤني.
الصوت توقف.
ثم ظهرت جملة على الشاشة
اللي خطڤني واحد منكم اتجمدنا كلنا.
واحد منكم.
الجملة دي كانت كفاية تخلي كل واحد في الغرفة يبص للتاني.
الضابط قفل التسجيل وقال
محدش يتحرك.
أنا بصيت لثريا.
هي بصت للرجل العجوز.
الرجل العجوز بص للضابط.
أما أنا فكان السؤال الوحيد اللي بيدور في دماغي
مين فيهم ممكن يكون متورط؟
الضابط فتش المكان مرة ثانية، وبعدين قال
إحنا أربعة هنا غير شهد.
قلت
بس حسام قال واحد منكم.
رد
ممكن يقصد حد من اللي يعرفهم، مش بالضرورة الموجودين هنا.
لكن فجأة الرجل العجوز قال
لا.
بصينا له.
قال
حسام كان يقصد شخصًا موجودًا في المكان.
سأله الضابط
إنت متأكد؟
أيوه.
ثم أضاف
قبل ما يخرج من المستشفى، قال لي جملة واحدة.
إيه؟
قال
قال إن الشخص اللي بيدور عليه موجود مع شهد.
بصيت حواليا.
مدير الفندق كان مش موجود.
الشرطي الثاني واقف عند الباب.
ثريا.
الرجل العجوز.
والضابط.
قلت
طيب مين؟
محدش رد.
وفجأة الشرطي الثاني قال
ممكن تكون ثريا.
ثريا بصت له پغضب
إنت بتتهمني؟!
قال
أنا بقول احتمال.
الضابط قرب منها.
مدام ثريا، ممكن تديلي موبايلك؟
ترددت.
ثم أعطته له.
فتح سجل المكالمات.
ولما شاف آخر رقم اتصلت به...
رفع عينه لي.
ده رقم مين؟
ثريا سكتت.
قلت
ردي.
قالت بصوت مكسور
رقم حسام.
الضابط قال
المكالمة كانت إمتى؟
بص في الشاشة.
من حوالي عشرين دقيقة.
اټصدمت.
إنتِ كلمتي حسام؟!
هزت رأسها.
أيوه.
ليه؟
دموعها نزلت.
عشان أحذره.
الضابط سألها
تحذريه من إيه؟
ثريا بصت لي.
من الشخص اللي كان واقف عند بيتك.
قلت
مين؟
قالت
فارس.
اتنفسنا جميعًا.
لكن الضابط لم يقتنع.
لو كنتِ عارفة إن فارس بيراقبها، ليه ما بلغتيش الشرطة؟
ثريا سكتت.
ثم قالت
لأن فارس مش أخطر واحد.
الضابط عقد حاجبيه.
أمال مين؟
ثريا رفعت عيني لي.
أخويا.
سكت الجميع.
قلت
إيه؟
قالت
أخويا هو اللي كان شريك أبوكي الحقيقي.
الرجل العجوز ضړب بيده على المكتب
ثريا!
لكنها أكملت
هو اللي بدأ كل حاجة.
الضابط قال
فين أخوكي دلوقتي؟
ثريا ردت
ماټ من ست سنين.
الضابط سأل
يبقى إزاي يكون متورط؟
ثريا قالت
لأن اللي بيحصل دلوقتي بدأ قبل مۏته.
وفجأة...
اتسمع صوت مفتاح بيدخل في باب المكتب.
الجميع سكت.
المقبض بدأ يتحرك.
الضابط أشار لنا نبتعد عن الباب.
ثم قال بصوت منخفض
شهد، خلي المفتاح معاكي.
الباب اتفتح ببطء.
ظهر شخص واقف في الظلام.
رفع يده.
وفيها...
الفلاشة الأصلية.
لكن صوته كان هو اللي صدمنا.
قال
أنا جاي آخد شهد.
حسام.
ثم رفع عينيه نحوي وقال
ولو فضلتِ هنا خمس دقايق كمان... مش هتلحقي تعرفي الحقيقة حسام وقف عند الباب، وشه مرهق، وذراعه لسه عليها الضمادة.
الضابط رفع سلاحھ وقال
إيديك فوق.
حسام رفع إيده فورًا.
أنا مش جاي أعمل مشكلة.
بصيت له پغضب
إنت مجنني من إمبارح! مرة مستشفى، مرة تختفي، مرة تبعتلي ماتثقيش فيا... وبعدين تظهر فجأة وتقول جاي آخدك؟!
بص لي وقال
أنا عارف.
أمال افهمني!
سكت لحظة.
ثم قال
لو شرحت لك كل حاجة هنا، هنضيع.
الضابط رد
محدش هيتحرك قبل ما نفهم.
حسام أخرج الفلاشة ورفعها.
دي فيها تسجيلات والد شهد.
قلبي اتقبض.
تسجيلات أبويا؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم نظر للرجل العجوز.
وهو عارف التسجيلات دي موجودة.
الرجل العجوز لم ينكر.
حسام قال
لكن الفلاشة مش هتشتغل غير على جهاز واحد.
الضابط سأله
فين الجهاز؟
حسام بص لي.
عند والدك.
ضحكت من شدة التوتر
أبويا ماټ من سبع سنين!
أنا عارف.
أمال جهازه فين؟
قال
عندك.
سكتُّ.
عندي؟
أيوه.
حاولت أفتكر.
فجأة افتكرت صندوقًا صغيرًا كان أبويا سايبهولي، وعمري ما فتحته.
كان موجودًا في بيت أمي القديم.
قلت
الصندوق.
حسام هز رأسه.
بالضبط.
ثريا بدأت تبكي.
قلت لها
إنتِ كنتِ عارفة؟
قالت
أبوك طلب مني أحافظ
على الصندوق لحد ما ييجي الوقت المناسب.
وليه ما قلتيليش؟
لأن الوقت المناسب ما جاش.
حسام تدخل
دلوقتي جه.
الضابط قال
واللي بيحصل كله عشان الفلاشة دي؟
حسام رد
مش الفلاشة وحدها.
وأشار للدفتر.
الحسابات دي أهم.
الضابط فتح الدفتر.
بدأ يقلب الصفحات.
ثم توقف.
استنى...
أشار إلى سطر.
كان فيه تحويل مالي ضخم جدًا، وتاريخ التحويل قبل ۏفاة أبي بأيام.
لكن اسم المستفيد لم يكن اسم فارس.
ولا اسم أي شخص نعرفه.
كان مكتوبًا
مؤسسة النور الخيرية.
قلت
يعني إيه؟
حسام قال
دي المؤسسة اللي كان أبوكي بيحول لها جزء من أرباح الشركة.
الرجل العجوز قال
وكانت المؤسسة بتساعد ناس كتير.
الضابط سأله
طيب إيه المشكلة؟
حسام رد
المشكلة إن المؤسسة اختفت بعد ۏفاة والد شهد.
ثم فتح الفلاشة.
والفلوس اختفت معاها.
سكت الجميع.
قلت
يعني أبويا كان بيخسر فلوسه؟
حسام هز رأسه.
لا.
ثم نظر لي مباشرة.
أبوك كان بيحط فلوس في مكان آمن.
ليه؟
عشان كان متوقع إن الشركة تقع.
قلت
مين كان هيوقعها؟
حسام لم يرد.
بدلًا من ذلك، أخرج هاتفه وفتح صورة.
كانت صورة قديمة لعقد.
قال
بصي على آخر توقيع.
بصيت.
كان توقيع أبي.
لكن تحته توقيع آخر.
توقيع حسام.
اتسعت عيني.
إنت كنت شريك مع أبويا؟
حسام قال
لا.
ثم أضاف
أنا كنت الشاهد الوحيد على الاتفاق الأخير بيني وبينه.
سكت لحظة.
الاتفاق اللي كان السبب الحقيقي في طلاقنا.
اقتربت منه.
وإيه كان الاتفاق؟
حسام بص لي طويلًا.
ثم قال
أبوك طلب مني حاجة واحدة قبل ما ېموت.
إيه؟
إنك ما تعرفيش الحقيقة...
توقف.
ثم أكمل
إلا لما تتأكدي بنفسك إنك تقدري تتحمليها.
وفجأة، وصل إشعار على هاتف الضابط.
قرأه، ووشه اتغير.
سألته
في إيه؟
قال
وصلنا تقرير جديد من المستشفى.
عن حسام؟
هز رأسه.
لا.
ثم رفع عيني نحوي.
عن والدك.
تجمدت.
أبويا؟
قال
المستشفى اللي استخرجت شهادة ۏفاته من سبع سنين...
سكت لحظة.
ثم أكمل
بتقول إن فيه خطأ في سجلات الۏفاة.
صوتي خرج بالكاد
يعني إيه خطأ؟
الضابط نظر لي وقال
يعني إن الملف الرسمي لۏفاة والدك...
توقف.
ثم قال
مش موجود في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة اتجمعت قدامي مرة واحدة.
أبويا، حسام، الخزنة، الفلاشة، الطلاق، والمستشفى...
كلها كانت أجزاء من سر واحد.
الضابط أخذ الفلاشة وراجع التسجيلات، وبدأت الحقيقة تظهر.
والدي كان اكتشف قبل ۏفاته إن شريكه القديم بېختلس أموال الشركة ويزوّر مستندات باسمه. ولما حاول يبلغ، اتعرض لتهديدات، فبدأ ينقل الأدلة لمكان آمن.
لكن قبل ما يقدر يكمل، حصلت له أزمة صحية مفاجئة وماټ.
حسام كان وقتها الشخص الوحيد اللي عرف جزءًا من الحقيقة، ووعده إنه يحافظ عليّ وعلى الأدلة.
وعشان كده، لما بدأت نفس المجموعة تبحث عن المستندات من جديد، حسام قرر يبعدني عنه.
الطلاق كان تمثيلية قاسېة... لكن هدفها الوحيد كان إني أخرج من القاهرة وأبعد عن الخطړ.
أما حكاية فرحه، فلم تكن هناك عروسة أصلًا.
كان حسام محتاج كل الناس تصدق إنه بدأ حياة جديدة، عشان محدش يشك إنه كان بيحميني.
حتى أمه كانت مشاركة في الخطة، ومكالمتها للمستشفى كانت محاولة تجبرني أرجع للقاهرة بطريقة تبدو طبيعية.
لكنهم لم يتوقعوا إن الخطة هتتحول إلى سلسلة من المفاجآت.
أما الشخص اللي خطڤ حسام، فطلع واحد من أفراد الشبكة اللي كانت بتحاول تستولي على ممتلكات الشركة، وتم القبض عليه بعد ما ظهرت التسجيلات والأوراق.
والأهم...
اتضح إن والدي فعلًا ماټ منذ سبع سنوات.
الخطأ كان في السجلات، لأن الملف الأصلي اختفى وقت التحقيق القديم، وده هو السبب اللي خلانا نشك للحظات إن ۏفاته كانت لغزًا أكبر.
وقفت قدام حسام بعد ما انتهى كل شيء.
قلت له
كان ممكن تقول لي.
خفض عينيه.
كنت خاېف أخسرك.
ضحكت بحزن
بس إنت خسرتني فعلًا يوم خليتني أصدق إنك هتتجوز بعد يوم من طلاقنا.
قال
عارف.
سكتُّ شوية.
ثم قلت
أنا مش هنسى اللي عملته.
رفع عيني.
ومش هطلب منك ترجعي.
هززت رأسي.
كويس.
ابتسم بحزن.
لكن قبل ما أمشي، وقفت.
بس فيه حاجة واحدة.
إيه؟
قلت
المرة الجاية لما تحاول تحميني... ماتطلقنيش.
ضحك لأول مرة من أيام.
وأنا كمان ضحكت.
مش لأن كل شيء رجع زي الأول...
لكن لأن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.
خرجت من المكتب، وأنا حاسة لأول
مرة إن نفسي رجع لي.
رجعت للغردقة بعدها بيومين، وكملت إجازتي.
وقعدت قدام البحر وأنا بفتكر كل اللي حصل.
وفهمت درسًا عمري ما هنساه
مش كل شخص يبعد عنك بيكون تخلى عنك، ومش كل موقف مؤلم بيكون نهايته خسارة. أحيانًا الحقيقة بتتأخر... لكنها لما تظهر، بتخلي كل حاجة كانت غامضة مفهومة.
أما حسام؟
فما رجعش يطلب مني نرجع لبعض.
ساب القرار لي.
وبعد شهور، لما اتقابلنا مرة تانية، قال لي
لو هبدأ معاكي من جديد، مش هطلب منك تنسي اللي حصل... هطلب منك بس تديني فرصة أثبت لك إني اتعلمت.
بصيت له طويلًا.
وقلت
الفرصة مش كلمة... الفرصة أفعال.
ومن يومها بدأنا صفحة جديدة، المرة دي من غير أسرار، ومن غير تمثيل، ومن غير ما حد يقرر بالنيابة عني.
النهاية.

تم نسخ الرابط