قبل رحيله بساعات

موقع أيام نيوز

أن يقضي حياته في تربية طفلة ليست ابنته.
وفي تلك الليلة، صدّق فؤاد كلامهم.
حزم بعض أغراضه.
وضع حقيبته في السيارة.
وأمسك مفاتيحه.
كان يعتقد أنه إذا رحل مبكرًا، فسيكون أرحم بي من أن يبقى ثم يندم يومًا.
قلت بصوت مخټنق
ذهب إلى أين؟
جاء إليّ.
حدقت فيها.
في منتصف الليل.
أومأت.
جلس هنا ساعات وكان يقول إنه لا يستطيع أن يصبح أبًا مرة أخرى.
نظرت إلى الأرض.
كان ېخاف أن يحبك ثم يفقدك مثلما فقد مريم.
شعرت بدموعي تنهمر.
لكنه عاد.
نعم.
لماذا؟
قالت نوال
لأنني قلت له شيئًا لم يستطع نسيانه.
سكتت.
قلت له إن الخۏف ليس دليلًا على أنه يجب أن يرحل، بل دليل على أنك أصبحت مهمة بالنسبة إليه.
أغمضت عيني.
رأيت نفسي طفلة، صغيرة ووحيدة، أجلس تحت طاولة المطبخ بعد جنازة أمي، أنتظر أن أعرف إن كان الرجل الآخر الذي أحببته سيختفي أيضًا.
وتذكرت فجأة شيئًا لم أفهم معناه طوال
حياتي.
كان فؤاد يجلس بجواري على الأرض.
وكنت قد سألته
هل سترحل أنت أيضًا؟
قالت نوال
عاد فؤاد قبل .
ثم أضافت
أفرغ حقيبته من السيارة ووضع المفاتيح جانبًا، ثم جلس تحت الطاولة معكِ.
توقفت أنفاسي.
كنت أتذكر تلك اللحظة.
أتذكر يده.
أتذكر إصبعه الصغير حين مدّه نحوي.
وتذكرت صوته
أنا باقٍ.
بكيت.
ليس لأنني اكتشفت أنه كاد يرحل.
بل لأنني فهمت أخيرًا كم كان عليه أن يحارب نفسه حتى يبقى.
قالت نوال
لم يخبرك لأنه لم يرد أن تكبري وأنت تشعرين بأن وجودك كان عبئًا عليه.
رفعت عيني إليها.
كان يريدك أن تعرفي شيئًا واحدًا فقط.
ماذا؟
قالت
أنه اختارك.
انهمرت دموعي.
لكنه لم يخترني في البداية.
لا أحد يعرف كيف يبدأ الحب، يا سلمى. لكنه عرف كيف يختارك كل يوم بعد ذلك.
سكتُّ طويلًا.
ثم نظرت إلى الصورة القديمة مرة أخرى.
مريم.
طفلته الأولى.
الفتاة التي ظننت للحظات أنها سرقَت مني شيئًا.
لكنها لم تفعل.
فؤاد لم يحبني أقل لأنه أحبها.
بل ربما أحبني بهذه القوة لأنه عرف من قبل كيف يمكن للحب أن ينتهي بالفقد.
مدت نوال يدها إلى الصندوق وأخرجت صورة أخرى.
كانت لي وأنا طفلة صغيرة، أجلس إلى جوار فؤاد في المطبخ وأرفع فطيرة تفاح محترقة من أحد أطرافها.
ضحكت وسط دموعي.
كنت أكره حين أطرافها.
قالت نوال
وكان يقول إنك تأكلينها مهما كانت سيئة.
ابتسمت.
كنت أقول له دائمًا إنني لا أملك خيارًا، لأن البديل كان عصيدته.
ضحكت نوال وضحكت معها.
وللمرة الأولى منذ بدأت هذه الليلة، شعرت أنني أتنفس.
ثم نظرت إلى الساعة.
وتجمدت.
المستشفى.
نهضت فورًا.
كنت قد تركت فؤاد هناك.
وركضت نحو الباب.
قالت نوال
خذي هذا.
التفتُّ.
كانت تمد إليّ قالب النجمة.
فؤاد أراد أن يكون معك.
أخذته بيدين مرتجفتين.
وضممته إلى صدري.
ثم اندفعت إلى سيارتي.
طوال الطريق، لم أفكر إلا في شيء واحد.
كنت أريد أن أخبره أنني فهمت.
أنني لم أعد غاضبة.
وأن سره لم يجعلني أراه بصورة مختلفة.
بل جعلني أراه للمرة الأولى كاملًا.
الرجل الذي فقد ابنته.
الرجل الذي خاف أن يحب من جديد.
والرجل الذي، رغم كل خوفه، عاد إلى طفلة صغيرة تنتظره تحت طاولة المطبخ.
وعندما وصلت إلى المستشفى، كانت الممرضة تنتظرني عند باب غرفته.
نظرت إلى وجهها.
وفهمت.
لا
قالت بهدوء
أنا آسفة.
دخلت.
كان فؤاد مستلقيًا
تم نسخ الرابط