سلفتى بعتتلى صورة بالغلط

موقع أيام نيوز


يوسف في شقتها الواسعة بمنطقة المقطم. دعت أكثر من ثلاثين فرداً من العائلة الكبيرة والأصدقاء المشترين. جو من التباهي الاستعراضي المعتاد تورتة ضخمة بثلاثة أدوار، بالونات ملونة تملأ المكان، ومصور مهني يوثق كل لحظة من السعادة المزيفة.
أنا التي ذهبت إلى هناك مبكراً، لم أذهب لأساعد في تقطيع السلطة كما اعتادت أن تأمرني. ذهبت وأنا أحمل في يدي صينية حلويات شرقية فاخرة طلبتها هي بنفسها مني قبل أيام بلطف مصطنع منى حبيبتي، معلش اعمليلنا صينيتين بسبوسة بالطريقة بتاعتك عشان كل العيلة بتشكر فيها.
وطارق كان يقف إلى جواري، يبتسم للكاميرات، حاملاً بوكيه ورد كبير أهدته إياه ريهام فور وصولنا أمام الجميع بعبارة مغرقة في الدلال
تسلم إيدك يا طارق على الورد الجميل ده، دايماً ذوقك عالي.
دار اليوم كله في أجواء صاخبة من الضحك والمزاح. ريهام كانت تتنقل بين المدعوين كالفراشة، مرتدية فستاناً أحمر فاقعاً، تتباهى بهدية زوجها وأناقتها. أنا كنت جالسة في ركن هادئ، أراقب كل شيء بعينين باردتين كالثلج، أرتشف عصير الليمون ببطء شديد، وأشعر بدقات قلبي تتسارع في إيقاع بطيء ومنتظم كطبول الحړب.
وفي منتصف الحفل، وقفت ريهام وسط الصالون، ممسكة بميكروفون صغير، وقالت بصوت عالٍ يقطر حماسة
يا جماعة، يلا بينا نفتح الهدايا! وأول هدية هفتحها هي هدية حبيبتي وأختي منى وجوزها طارق، لأنهم تعبوا معايا جداً النهاردة في تحضيرات الحلوى!
ساد التصفيق الحار. توجهت ريهام بخطوات واسعة نحو الطاولة التي وضعت عليها الهدايا. التقطت العلبة المبطنة بالقطيفة السوداء التي قدمتها لها بنفسي قبل قليل. كانت العلبة مغلفة بشريط فضي أنيق، ولا تحمل أي توقيع سوى اسمي.
ابتسمت ريهام ابتسامة عريضة للمدعوين، وقالت
يا ترى منى جابت لي إيه؟ أنا متأكدة إنها حاجة مميزة كالعادة.
بدأت تفك الشريط الفضي ببطء، ثم رفعت غطاء العلبة...
الفصل الخامس اڼهيار القصر المزيف
ولما وصلت لهديتي... وأول ما فتحت العلبة... وشها اتقلب، ولونها اختفى، وتحول إلى بياض المۏت.
تركت العلبة تسقط من يديها لتصطدم بالأرض بصوت مكتوم.
ثلاثون زوجاً من العيون التفتت إليها في ذهول.
الزجاج النقي داخل الإطار الخشبي انعكس عليه ضوء أضواء الحفل البراقة، مبرزاً بوضوح تام تلك الصورة الفوتوغرافية الواضحة كالشمس ريهام أمام مراية الحمام في غرفة الفندق، ترتدي السويت شيرت الرمادي القديم الخاص بطارق، وتحت الصورة طبعت بخط واضح وبارز نص رسالتها الشهيرة مستنية يوم الجمعة على ڼار، ومعها تاريخ الرسالة بدقة شديدة قبل ستة أشهر، ومرفق معها رمز الاستجابة السريعة QR Code الذي يفتح لمن يمسحه عبر هاتفه نسخاً رقمية كاملة من فواتير الفنادق وتذاكر السفر ورسائل الواتساب المتبادلة بينها وبين طارق!
صړاخ خاڤت خرج من أمعاء حمامي سميحة التي سقطت مقعدها وكأنها تلقت صاعقة في مقټل.
أيمن، زوج ريهام، قفز واقفا من مكانه، وجهه متحولاً إلى لون أرجواني داكن من شدة الصدمة والڠضب. اندفع نحو الطاولة، التقط الإطار الخشبي بيدين مرتعشتين، وتمعن في الصورة والوثائق المطبوعة تحته.
ساد صمت ممېت... صمت يقطع الأنفاس.
ثم صړخ أيمن بصوت رعدي هز أركان الشقة كلها
إيه ده؟! إيه ده يا ريهام؟! إيه الزفت ده؟!
اڼهارت ريهام على ركبتيها على الأرض البلاطية، وشرعت تجهش بالبكاء الهستيري، تحاول الوصول إلى الإطار وتقول بصوت متقطع مشوه
أنا... أنا أقسم لك يا أيمن... دي... دي فوتوشوب! دي منى... منى هي اللي عملت كده! دي كدابة!
لكن لم يكن أحد مستعداً لتصديق حرف واحد مما تقول. فالأدلة كانت أنظف وأدق من أن تُنكر. فواتير الفنادق برقم بطاقة طارق الشخصية،
وتذاكر السفر بأسماهما، وتفاصيل الأوقات التي كانت تدعي فيها زيارة أهلها بينما كانت تقضيها في أماكن أخرى.
الټفت أيمن برأس ثقيل وبطء مفزع نحو طارق، الذي كان قد تجمد تماماً في مكانه، تحول لونه إلى الأصفر الشاحب، وعروق رقبته بارزة تكاد ټنفجر. لم يكد طارق يفتح فمه ليتكلم، حتى ھجم عليه أيمن بلكمة قوية ومباشرة سددها إلى وجهه، فأطاحت به على طاولة الزينة الكبيرة، لتتطاير الزجاجات والأكواب وتتحطم على الأرض بصوت مرعب.
تحولت حفلة عيد الميلاد خلال ثوانٍ معدودة إلى ساحة حرب عائلية شاملة؛ صرخات حماتي وهي تلطم خديها، شتائم أيمن الغاضبة وهو ينهال بالضړب المپرح على طارق، بكاء الأطفال المذعورين في الزوايا، واڼهيار ريهام التام وهي تصرخ مستجندة بمن لا يغيثها.
الفصل السادس الخروج الأخير
وقفتُ بهدوء تام.
سحبت حقيبتي الجلدية السوداء من على الكرسي المجاور.
عدلت ياقة معطفي الأنيق ببطء شديد، وأخذت نفساً عميقاً طويلاً، كأنني أستنشق هواء حراً خالصاً لأول مرة منذ أحد عشر عاماً كاملة.
نظرت إلى طارق وهو ملقى على الأرض، يمسح الډم من شفته المقصوصة، وينظر إليّ بنظرة مزيج من الخزي، والذل، والاستجداء الأخير.
ونظرت إلى ريهام وهي جالسة على الأرض في وسط حطام حفلها، تندب حظها وما جلبته على نفسها من خړاب ودمار.
لم أقول لهما كلمة واحدة. لا شتائم، لا صرخات، لا مبررات. فالكلمات كانت أقل بكثير من أن تصف حجم السقوط المدوي الذي صنعه كل منهما بنفسه.
التفتّ نحو باب الشقة الواسع المفتوح، وخطوت خطوتي الأولى نحو الخارج.
خارج هذا المطبخ.
خارج هذه العائلة التي طالما أرادتني أن أكون كأنني غير موجودة.
خارج هذا الوهم الطويل.
أغلقت باب الشقة خلفي بهدوء تام، ونزلت درجات السلم بخطوات ثابتة، منتظمة، وخفيفة تماماً... كأنني أطير.
في الشارع، كان هواء المساء البارد يداعب وجهي. رفعت هاتفي المحمول، فتحت شاشته، ورسلت رسالة قصيرة واحدة إلى أخي الأكبر محمود
تعال خذني يا محمود... أنا راجعة البيت، للأبد.
ثم أطفأت الهاتف تماماً، وابتسمت لأول مرة من أعماق قلبي، وأنا أعلم تماماً أن السلطة الحقيقية في هذه الحياة... لا تصنعها الأيدي التي تغسل الأطباق، بل الأيدي التي تعرف متى تحرك قطع الشطرنج ببرود تام.

 

تم نسخ الرابط