سلفتى بعتتلى صورة بالغلط

موقع أيام نيوز


اكتشفت مبكراً جداً، وبالتحديد في أول عزومة عائلية أقامتها حماتي سميحة بمنزلها، أنني لم أُزَف إلى طارق، بل تم تعييني ك مدير عمليات منزلية وخدمات لوجستية بلا أجر ولا إجازات.
يومها، دخلت المطبخ بعباءتي الجديدة الطاهرة، وهمست لي حماتي بابتسامة صفراء لا تصل إلى عينيها
يا حبيبتي يا منى... ريهام مرآة أخوه طارق لسة جابة ابنها الصغير وتعبانة، وأخت جوزك هالة ظهرها بيوجعها من الوقفة. يلا، قومي شمري دراعاتك ونضفي مكان الفراخ عشان نعمل الغداء.
وقفتُ. نظرت إلى طارق نظرة استنجاد خفيفة، فابتسم لي ببلاهة وقال
معلش يا منى، ساعديهم.. أهلي بيحبوا الأكل من إيدك.
ومنذ ذلك اليوم، تحولتُ إلى شبح أبيض يتحرك بين المطبخ والصالون. في كل عزومة، في كل سبوع، في كل عيد ميلاد، وفي كل تجمع رمضاني، كانت قواعد اللعبة ثابتة ولا تتغير
1. أنا التي تُحضّر المكونات وتقطع البصل وتغسل الدواجن واللحوم.
2. أنا التي تقف أمام البوتاجاز الساخن حتى تتشقق شفتاي وتتصبب عرقاً.
3. ريهام، سلفتي، زوجة شقيقه الأكبر أيمن، كانت الملكة المتفرغة. كانت تدخل الصالون مرتدية أحدث صيحات الموضة، عطرها يسبقها بمسافات، تجلس على الأريكة المخملية، وتأمر بصوت عالٍ ودلال مفتعل عملتي السلطة ولا لسه يا منى؟ ما تنسيش تكتبي عليها ليمون كتير عشان أيمن بيحبها كدة.
وفي نهاية اليوم، بعد أن يغادر الجميع، بينما يكون طارق ممدداً على السرير يشاهد مباريات كرة القدم أو يقلب هاتفه بسعادة، كنت أقضي ساعتين أخرتين في غקل جبل من الأواعين المتسخة، وفرك أرضية المطبخ، وإخراج القمامة.
كنت أبكي أحياناً في صمت وأنا أغسل الأطباق، أتساءل هل هذه هي الحياة التي اختارها الله لي؟ هل أنا مجرد آلة بشړية بلا مشاعر، بلا طموحات، بلا اسم حتى؟ كانوا ينادونني في كثير من الأحيان ب أم طارق أو ببساطة يا ست هاتي، وكأن اسمي الحقيقي منى سقط من سجلات عائلتهم المالكة.
لكن الصمت ليس ضعفاً دائماً. الصمت أحياناً هو غطاء كثيف تحته ينمو جبل من الجليد الصلب. وفي تلك السنوات ال 11، تعلمت شيئاً واحداً بعمق شديد كيف أراقب بصمت. كيف أبتسم في وجه من يطعنني پسكين بارد. وكيف أبتلع الإهانة وأحولها إلى وقود لشيء أكبر وأعمق بكثير.
الفصل الثاني ليلة السويت شيرت الرمادي
ذلك اليوم من شهر ديسمبر، كان بارداً بۏحشية. المطر كان ينهمر بغزارة خارج النوافذ، وطارق كان مستغرقاً في نوم عميق بجواري، ظهره منحني قليلاً، ونفسه منتظم.
رن هاتفي المحمول بنغمة خاڤتة على المنضدة الصغيرة بجوار السرير. الساعة كانت 1146 ليلاً.
ظننتها رسالة ترويجية سخيفة من إحدى شركات الاتصالات، أو ربما رسالة مزعجة من حماتي تسألني إن كنت قد أنسيت تتبيل الدجاجة التي سنأكلها في غداء الغد. لكن عندما فتحت الشاشة، ظهر اسم ريهام سلفتي.
الرسالة الأولى كانت صورة فوتوغرافية. فتحتها من غير تفكير مسبق.
انطبعت الصورة في شبكية عيني وكأنها حفرت بحديد محمي پالنار.
سيلفي أمام مرآة حمام فندقي. الإضاءة صفراء دافئة، والخلفية توحي بغرفة فاخرة. لكن كل تفاصيل الغرفة اختفت أمام تفصيلة واحدة أصابتني بالشلل التام السويت شيرت الرمادي القديم.
هو نفسه... بذات الرقعة الصغيرة الممزقة تحت الإبط الأيمن، وذات بقعة القهوة القديمة التي سكبتها عليه أنا بالخطأ قبل ثلاث سنوات حين كنا نصيف في الإسكندرية.
السويت شيرت الذي عاد طارق إلى البيت قبل أشهر، وألقى بنفسه على الكنبة بوجه حزين ومفتعل، وقال بصوت منكسر
تخيلي يا منى! وأنا في شغل برة في الإسكندرية، الشنطة بتاعتي اتسرقت من العربية، وضاع فيها السويت
 

تم نسخ الرابط