طول ستين سنة كنت مقتنعة إن أحمد ماټ

موقع أيام نيوز

قال
أيوه... حبها.
غمضت عيني.
الغريب إني ما حسيتش بغيرة.
ولا ڠضب.
كل اللي شوفته في خيالي كان شاب مكسور، رجع من الحړب وهو فاقد ذكرياته، وبيحاول يبدأ حياته من جديد.
سألته
وأمك؟
قال بصوت هادي
ټوفيت من خمس سنين.
قلت بإخلاص
الله يرحمها.
بص لي وقال
كانت ست طيبة.
عرفت من نبرة صوته إنه بيقول الحقيقة.
وصلنا دار الرعاية.
استقبلتنا الممرضة عند الباب وقالت
لازم تكوني مستعدة... ممكن ما يعرفكيش.
ولو اتوتر أو تعب، هنضطر ننهي الزيارة.
هزيت راسي بهدوء.
بقالي اتنين وستين سنة، أحمد في ذاكرتي عنده تمنطاشر سنة.
شعره الأسود.
ضحكته.
وإيده الدافية وهي ماسكة إيدي.
لكن ورا الباب...
كان فيه راجل عنده تمانين سنة.
راجل الزمن غيره.
وقفت قدام الباب، وحسيت رجلي تقيلة.
همست
ولو ما بقاش فاضل أي حاجة من اللي كان بينا؟
يوسف قال برفق
ممكن ترجعي لو مش قادرة.
ومريم مسكت إيدي.
لكنني هزيت راسي.
وقلت
أنا ما جيتش كل المسافة دي علشان أخاف وأنا واقفة قدام الباب.
دخلت.
كان أحمد قاعد على كرسي متحرك، جنب الشباك.
بعد ثواني لف وشه ناحيتنا.
السنين غيرت ملامحه...
لكن عيونه...
كانت هي هي.
قلبي عرفه قبل عيني.
يوسف قرب منه وقال
يا أبي... فيه حد جه يشوفك.
بص لي أحمد باحترام، كأني غريبة.
وفي اللحظة دي...
الأمل اللي كنت شايله السنين دي كلها، سكت.
ابتسمت رغم الۏجع.
وقلت
أنا أمينة.
ردد الاسم بهدوء
أمينة.
لكن ما كانش فيه أي علامة إنه افتكرني.
قعدت جنبه.
وفتحت الصندوق الأزرق.
بص للخاتم الفضة.
وقال بابتسامة بسيطة
خاتم جميل.
يوسف كان هيقرب، لكنني رفعت إيدي ومنعته.
ما كنتش عايزة حد يحميني من الحقيقة.
سألته برقة
فاكر الشجرة الكبيرة اللي كنا بنقعد تحتها؟
قطب جبينه.
قلت
فاكر الفستان الأصفر؟
بدأت صوابعه تخبط بخفة على البطانية، وعرفت إنه اتوتر.
الممرضة قالت بهدوء
كفاية النهارده.
خرجت للطرقة.
واسندت ضهري على الحيطة.
مش قادرة أقف.
مريم حضنتني بقوة.
همست وهي بټعيط
يا خالتي أمينة...
قلت وأنا باصة قدامي
هو رجع...
بس الجزء اللي كان فاكرني... ما رجعش.
يوسف كان بيمسح دموعه.
وبص لي باستغراب لما قلت
ينفع أجيله تاني؟
قال بدهشة
بعد كل اللي حصل... لسه عايزة تشوفيه؟
ابتسمت بحزن.
أنا نفسي مش عارفة أنا عايزة إيه.
لكن عارفة إني لسه مش مستعدة أمشي.
رجعت بعد يومين.
وبعدين رجعت مرتين الأسبوع اللي بعده.
ومع الوقت...
بطلت أطلع له الخاتم.
وبطلت أسأله إذا كان افتكرني.
كنت بقعد جنبه وبس.
ساعات يسمعني وأنا بقرأ.
وساعات ينام.
وفي يوم، ناداني باسم مراته.
الۏجع كان كبير.
لكنني ما صححتلوش.
بص لي بإحراج وقال
أنا كل يوم بنسى ناس.
في دماغي... وفي الحقيقة.
وفي زيارة تانية، كنت بقرأ له قصة.
قاطعني فجأة وقال
الراجل ده بيتكلم كتير.
قفلت الكتاب وضحكت.
وقلت
إنت كمان اتكلمت ليلة كاملة.
بص لي باستغراب.
بجد؟
ابتسمت.
تحت الشجرة.
سألني
وطلع الكلام جاب نتيجة؟
ضحكت وسط دموعي.
وقلت
فضل عايش في قلبي أكتر من ستين سنة.
ابتسم...
من غير ما يعرف ليه.
وفي يوم، يوسف وقفني في الممر.
وقال
اللي بيحصل ده بيوجعك يا حاجة أمينة.
يمكن الأفضل تقللي زياراتك.
بصيت له.
وقلت
إنت اللي جبتني له... ودلوقتي عايزني أختفي؟
قال وهو بيحاول يمسك دموعه
أنا فقدت أمي...
وأبويا بېموت قدام عيني.
ومش قادر أشوفك بتتكسري كل مرة بينساكي فيها.
وقتها فهمته.
هو ما كانش بيبعدني.
هو كان خاېف يخسر شخص تاني.
حطيت إيدي على إيده.
وقلت بهدوء
اطمن.
أنا مش هجبره يفتكر.
ولا هخليه يختار بين أمك وبيني.
أنا بس عايزة أقعد جنبه... في الوقت اللي باقي له من عمره.
هز يوسف راسه ببطء.
وقال
حاضر.
وبعدين ابتسم لأول مرة من أيام.
وقال
بس إنتي كمان... مش لازم تشيلي الحمل كله لوحدك.
وبعد كام أسبوع...
يوسف رتب لنا خروجة قصيرة برا دار الرعاية.
يوسف خد أحمد في يوم مشمس، ورجعه لنفس الشجرة اللي بدأت عندها الحكاية.
مريم وقفت بعيد شوية، بينما يوسف زق الكرسي المتحرك لحد ما وصل تحت ظل الشجرة، وبعدها سابنا لوحدنا في هدوء.
ركعت على الأرض.
طلعت وردة حمرا من الباقة، وحطيتها في إيد أحمد.
فضل يبص لها شوية، ويمرر صوابعه على بتلاتها برقة.
قلت بصوت واطي
فاكر؟
قعدنا هنا ليلة كاملة... لحد ما الشمس طلعت.
فضل ساكت.
وبعدين رفع عينه ناحيتي.
وقال فجأة
إنتي وعدتيني...
إني هرجع.
اتغيرت
تم نسخ الرابط