طول ستين سنة كنت مقتنعة إن أحمد ماټ

موقع أيام نيوز

جنب الصندوق.
قلت وأنا ببص للأوراق
عرفت توصل لي إزاي؟
قال
الصورة اللي كانت جوه الصندوق، وصفحة قديمة من كتاب المدرسة، هما اللي بدأوا الرحلة.
فضلت أدور لحد ما لقيت مقال بيتكلم عن شغلك التطوعي مع الأطفال.
مريم اتكلمت بهدوء
ولما اتأكدت إن أوراقه كلها صحيحة... قلت له إنك كل سنة، في يوم ميلادك، بتروحي عند الشجرة اللي كنتوا بتقابلوا بعض تحتها.
نزلت عيني على باقة الورد الأحمر.
كان النهارده عيد ميلاد أحمد.
وفجأة افتكرت كل الناس اللي كانوا بيسألوني طول السنين
ليه ما اتجوزتيش؟
والإجابة عمرها ما اتغيرت.
لأني ما بطلتش أحب أحمد يوم واحد.
اتعرفنا على بعض وإحنا في المدرسة.
وكنا نقعد بالساعات تحت الشجرة، نحلم بالبيت اللي هنبنيه، والأولاد اللي هنربيهم، والعمر اللي هنقضيه سوا.
لحد ما جه يوم استدعاؤه للخدمة.
في الليلة الأخيرة، فضلنا قاعدين تحت الشجرة لحد الفجر.
كان ماسك إيدي بكل قوته، وقال
مهما طول الغياب... هرجعلك.
وبعد سنة، أمه خبطت على باب بيتنا وهي مڼهارة.
قالت إن أحمد بقى من المفقودين.
وبعدها بكام شهر أعلنوا ۏفاته.
ومن يومها...
ما قدرتش أفتح قلبي لحد غيره.
كل الحب اللي كان جوايا، وزعته على الأطفال المرضى، وعلى كل إنسان محتاج كلمة طيبة أو حضڼ يهون عليه الدنيا.
مكنش ده بيعوض غيابه...
بس كان بيخليني أعرف أكمل.
كل سنة، كنت أرجع لنفس الشجرة، شايلة ورد أحمر، وأقرأ له الفاتحة.
بصيت ليوسف وسألته
ليه جيت النهارده؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
لأن أبويا هو اللي طلب مني أدور عليكي.
شدّيت المنديل اللي ادتهولي الطفلة بين صوابعي.
وكملت أسمع.
قال
من شهر نقلته لمركز رعاية، ولما كنا بنرتب حاجته، لقيت الصندوق الأزرق مقفول جوه درج قديم.
أول ما شافه، اتأثر جدًا.
وفي لحظة نادرة رجعت له ذاكرته، وقال جملة واحدة.
وقفت أنفاسي.
يوسف بصلي وقال
قال... لازم الصندوق يوصل لأمينة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
الاسم ده...
ما كانش بيناديني بيه غير أحمد.
سألته
بسرعة
هو بخير؟
هز رأسه ببطء.
لسه عايش...
لكن حالته الصحية بتتدهور يوم بعد يوم.
لأول مرة، وأنا ببص في وش يوسف، ما شفتش شبه أحمد وبس.
شفت ابن بيستعد يودع أبوه.
مريم قالت برقة
إحنا ممكن نوصلك البيت، وتفكري براحتك.
يوسف قفل الصندوق الأزرق بهدوء.
وقال
مش لازم تاخدي قرار دلوقتي.
بصيت لمريم.
قرار إيه؟
رجعت الخاتم مكانه جوه الصندوق.
بقالي اتنين وستين سنة بكلم أحمد... كأني متأكدة إنه لسه سامعني.
سكت لحظة، وبعدين كملت
ولو هو قريب لدرجة إنه يقدر يرد عليّ... فأنا مش هستنى يوم كمان.
بصيت في عيون يوسف وقلت من غير تردد
وديني له.
طول الطريق، العربية كانت ساكتة.
كل واحد فينا غرقان في أفكاره.
وبعدين سألت السؤال اللي كان محيرني.
أحمد... كان بيفتكرني؟
يوسف رد وهو مركز في الطريق
كان بيفتكر الإحساس أكتر من الأسماء.
كان ساعات يحكي عن بنت لابسة فستان أصفر... وإيديها كانت بتترعش.
همست من غير ما أحس
دي أنا.
وبصيت من الشباك وأنا بابتسم وسط دموعي.
آخر ليلة قبل ما يسافر، لبست الفستان الأصفر.
كان دايمًا يقول لي إن اللون ده بيخليني شبه الشمس... وإنه بيطمن أول ما يشوفني.
يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
أبويا كان دايمًا يقول إن الشجاعة مش معناها إن الإنسان ما يخافش... الشجاعة إنه ېخاف، وبرغم كده يكمل.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت
الكلام ده كان أنا اللي بقوله له.
لحظة واحدة...
وش يوسف بقى نسخة من أحمد وهو شاب.
اضطريت ألف وشي ناحية الشباك.
واتخيلت العمر اللي كان ممكن نعيشه سوا...
والابن اللي كان ممكن يبقى ابننا.
لكن كان فيه سؤال لازم أعرف إجابته.
سألته بهدوء
هو... اتجوز؟
إيد يوسف شدت على الدركسيون.
ورد بكلمة واحدة.
أيوه.
الكلمة نزلت على قلبي تقيلة.
لكنني حاولت أتماسك.
مين كانت؟
قال
أمي.
هي اللي كانت بتعالجه بعد ما رجع.
سألته
كانت تعرف إن كان فيه واحدة في حياته قبل الحړب؟
هز رأسه.
أيوه.
لكن عمرها ما عرفت اسمك.
سكت شوية، وبعدين سألت أصعب سؤال.
حبها؟
فضل يوسف ساكت كام ثانية.
وبعدين
تم نسخ الرابط